الأحد، 21 فبراير 2010

القدس لنا


بسم الله الرحمن الرحيم
القدس

أن القارئ لصفحات التاريخ والمبحرفي أنهاره  يرى بما لا يدع مجالا لشك  أن القدس ارض اسلاميه عربيه  وان اليهود أدعياء  لحقهم المزعوم أن القدس كانت على مر العصور ملك العرب وارض أجدادهم انه ليس من العدل أن يجحد الضيف حق مضيفه ويدعى حقه في البيت لكرم المضيف له أن كرم العرب مع اللئام ]اليهود[جعلهم يظنون عن جهل أن ذلك ضعف ولاكن ان ذلك الشعب الكريم ليس بضعيف ان التاريخ يقول ذلك                    

احمد الإمام
هذا النص المعروض امام حضراتكم ليس لى فيه فضل الا المقدمه والتجميع 
وهذا النص بدايه حتى نكتب الاحداث بروابطها وتفاصيلها ان كتب لنا الله ذلك
 ان شاء سبحانه وتعالى

فلسطين عربية منذ استوطنها العرب الكنعانيون
لا يعرف على وجه اليقين شكل الحياة في تلك المنطقة التي أصبحت فيما بعد تعرف بفلسطين، إلا أن أقدم الاكتشافات الأثرية التي عثر عليها في جبل القفرة جنوبي الناصرة وسفح الرمل قرب طبريا والتي تعود إلى الفترة بين عامي 7500 و3100 ق.م تؤكد أن تلك المنطقة شهدت نوعاً من الحياة البسيطة. وكان أهم حدث شهدته هو تأسيس مدينة أريحا التي يعتبرها المؤرخون أقدم بلدة في التاريخ، وقد وجدت آثار لها قرب بلدة عين السلطان.
وفي أواخر الألف الرابعة قبل الميلاد بدأ سكان المنطقة يتعرفون على النحاس ويستخدمونه في بعض الصناعات البدائية، ولذا أطلق المؤرخون على تلك الفترة العصر الحجري النحاسي.
بداية ظهور العرب مع ظهور الإنسان في فلسطين يكذب حق اللئام في ملكيتهم     لأرض العرب

عرفت اللغة العربية منذ الألف الثالثة
قبل الميلاد.
وكانت مع الكنعانية والآرامية هي اللغات المعروفة في فلسطين في ذلك الزمان

هجرة الكنعانيين
بدأت أولى الهجرات البشرية الهامة إلى فلسطين في بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، وهي هجرة الكنعانيين الذين عرفوا باسم الأماكن التي نزلوا فيها، وبعد فترة أصبحت هناك ثلاث لغات: الكنعانية والآرامية -لغة المسيح عليه السلام- والعربية، وظلت فلسطين تسمى أرض كنعان حتى عام 1200 ق.م حينما غزتها القبائل الكريتية.

هجرة إبراهيم عليه السلام

في الألف الثالثة قبل الميلاد هاجر إبراهيم عليه السلام من بلدة أور في العراق إلى فلسطين، وهناك أنجب إسحق والد يعقوب الذي يسمى كذلك إسرائيل وإليه ينتسب الإسرائيليون.

الإمبراطورية المصرية
في تلك الفترة كانت فلسطين جزءًا من الإمبراطورية المصرية، كما كانت عمليات التبادل التجاري نشيطة بينهما، وهو ما دلت عليه رسائل تل العمارنة التي اكتشفت في صعيد مصر.

أخذت فلسطين اسمها من اسم القبيلة الكريتية الغازية، والتي اندمجت مع الكنعانيين العرب، السكان الإصليين لفلسطين.
اسم فلسطين
شهدت فلسطين سلسلة من الغزوات قامت بها القبائل الكريتية التي استقرت في شواطئ يافا وغزة، فسميت تلك المنطقة فلسطين نسبة إلى اسم القبيلة الكريتية الغازية التي اندمجت مع الكنعانيين سكان البلاد الأصليين، وأطلق اسم فلسطين على جميع الأراضي الساحلية والداخلية التي كان يسكنها الكنعانيون، ومع الزمن غلب العنصر الكنعاني وأصبح سكان البلاد كلهم من الكنعانيين العرب. 
الإسرائيليون
وبسبب المجاعة التي اجتاحت فلسطين هاجر يعقوب عليه السلام وأولاده إلى مصر حيث كان ابنه النبي يوسف عليه السلام قائما على خزائنها، وهي قصة فصلها القرآن الكريم في سورة يوسف. واستقر الإسرائيليون في مصر وكثر عددهم، ولكنهم بدؤوا يتعرضون للاضطهاد في 3عهد رمسيس الثاني فقرر موسى عليه السلام الخروج بهم إلى أرض كنعان، وهذه القصة وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة. ومكث بنو إسرائيل في الصحراء أربعين سنة قبل أن يتمكنوا من دخول فلسطين بعد موت موسىعليه السلام في عهد النبي يوشع، وتمكن داود عليه السلام من إقامة مملكة لبني إسرائيل في القدس بعدما انتصر الإسرائيليون على جالوت.
داود
تولى داود عليه السلام الملك ونجح في توحيد الإسرائيليين مرة أخرى وقضى على الخلافات والحروب التي كانت بينهم، واستطاع هزيمة اليبوسيين وتأسيس مملكة إسرائيل واتخذ أورشليم عاصمة (القدس) لمملكته.
وبعد موت سليمان بن داود عليهما السلام عام 935 ق.م انقسمت المملكة على نفسها، فقامت يهوذا في القدس ومملكة إسرائيل في السامرة، ونشبت الخلافات والحروب بين المملكتين، واستعانت كل منهما بملوك مصر أو آشور ضد الأخرى، مما أضعفهما معاً وأضعف سلطتهما على السكان فعادت الاضطرابات مرة أخرى.
زوال مملكتي يهوذا وإسرائيل
هاجم شيشنق ملك مصر مملكة يهوذا عام 920 ق.م واحتلها لتصبح منذ ذلك الحين تابعة للدولة المصرية. وفي عام 721 ق.م هاجم الآشوريون مملكتي إسرائيل ويهوذا واحتلوهما وفرضوا الجزية عليهما، وقد حاولت مملكة إسرائيل التمرد لكن الآشوريين قمعوا تمردها بقوة وأخذوا معظم سكانها أسرى إلى العراق.

نبوخذ نصر
شن نبوخذ نصر الكلداني هجوماً على فلسطين عام 597 ق.م واستولى على القدس عاصمة يهوذا وأخذ ملكها وعائلته ومعظم قادتها أسرى إلى العراق، وأقام في القدس ملكاً جديداً. وفي عام 586 ق.م حاول بقايا اليهود التمرد على سلطان بابل في فلسطين فعاد نبوخذ نصر وغزاها من جديد، وفي هذه المرة دمر القدس وعادت فلسطين كنعانية عربية تابعة للعراق تستقبل هجرات العرب من سوريا والجزيرة العربية.

وبسبب غزوات الآشوريين والكلدانيين اختفت دولة اليهود في فلسطين بعد أن عاشت أربعة قرون (1000 - 586 ق.م) كانت حافلة بالخلافات والحروب والاضطرابات.
وتعتبر تلك الفترة من أهم فترات التاريخ الفلسطيني، حيث يستند إليها اليهود في ادعائهم بأحقيتهم في العودة إلى فلسطين التي سموها أرض الميعاد.
فلسطين تحت الاحتلال الفارسي
غزا الفرس فلسطين عام 539 ق.م واحتلوها بعد أن احتلوا بابل، وظلت فلسطين تابعة للدولة الفارسية طوال قرنين من الزمان، وفي عهدهم عادت بقايا قبيلة يهوذا من بقايا البابليين إلى القدس.
فلسطين تحت الاحتلال اليوناني
يعتبر انتصارالإسكندر الأكبر على الفرس من أهم أحداث القرن الرابع قبل الميلاد، حيث استولى على سوريا وغزة والقدس وضمها إلى الإمبراطورية اليونانية عام 332 ق.م، وبعد وفاته انقسمت إمبراطوريته بين قادته فكانت فلسطين تحت سيطرة القائد أنتيخوس الذي هزمه البطالمة في غزة عام 321 ق.م، وأصبحت منذ ذلك الحين خاضعة لحكم أنتيخوس الثالث في سوريا عام 198 ق.م.
وظلت فلسطين منذ تلك الفترة تعيش حالة من الحروب القلاقل في ظل العديد من الدول مثل المكابيين والعرب الأنباط عام 90 ق.م، وظلت تابعة لعاصمتهم "البتراء" حتى احتلها الرومان.
فلسطين تحت الاحتلال الروماني
احتل الرومان فلسطين وجعلوها ولاية رومانية تابعة لروما أولاً ثم بيزنطة إلى منتصف القرن السابع الميلادي حينما فتحها المسلمون العرب فأصبحت جزءًا من الدولة العربية. وخلال فترة الحكم الروماني شهدت فلسطين ميلاد السيد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، إلا أن اليهود وشوا به للحاكم الروماني عام 37 واتهموه بالكفر وماتلا ذلك من قصة الصلب على اختلاف تفاصيلها في العقيدتين الإسلامية والمسحية.
تمرد يهودي
حاول اليهود استغلال الحرية الدينية التي منحت لهم في القدس منذ عودتهم من الأسر البابلي في السعي لإقامة دولة خاصة بهم، إلا أن الحاكم الروماني بمساعدة سكان البلاد العرب شن هجوماً عليهم عام 71 واحتل القدس وقتل عدداً كبيراً من اليهود قبل فرارهم إلى سوريا ومصر والبلدان العربية الأخرى.

هادريان
كانت آخر محاولة لإقامة دولة يهودية في فلسطين عام 135 عندما تزعم أحد الحاخامات اليهود عصياناً، فهاجمهم الحاكم الروماني هادريان واحتل المنطقة اليهودية في القدس ودمرها، وبنى في ذلك المكان مدينة جديدة حرم على اليهود دخولها. بعد تلك الواقعة لم يحاول اليهود إثارة أي قلاقل في فلسطين حتى مجيء القرن العشرين الذي شهد في منتصفه قيام دولة إسرائيل، بعد ما يزيد عن ألفي عام منذ زوال دولتهم عام 586 ق.م على يد نبوخذ نصر.
الفتح الإسلامي لفلسطين
أرسل الخليفة أبو بكر الصديق عدة جيوش سنة 633 لفتح بلاد الشام بقيادة عمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح، فهزم يزيد الروم في وادي عربة جنوب البحر الميت وتعقبهم حتى غزة في عام 634.

عاشت فلسطين فترات عدم استقرار إلى أن فتحها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكتب آمانه للمسيحيين، وعهد ألا يسكن أحد من اليهود في المدينة المقدسة
أجنادين
وأحرز عمرو بن العاص انتصارات كبيرة على الروم في معركة أجنادين عام 634 وفتح فحل وبيسان واللد ويافا، وحينما تولى ثيودوروس أخو الإمبراطور الروماني هرقل قيادة الجيش الروماني أمر أبو بكر الصديق قائده خالد بن الوليد بالتوجه من العراق إلى فلسطين.

اليرموك
توفي الخليفة أبو بكر الصديق وتولى الخلافة من بعده عمر بن الخطاب، فأمر الجيوش الإسلامية الموجودة في فلسطين بمواصلة القتال لاستكمال الفتح، وأمر خالد بن الوليد بتوحيد الجيوش الإسلامية في جيش واحد، واشتبك خالد مع الروم في معركة اليرموك التي شكل نصر المسلمين فيها لحظة حاسمة في تاريخ فلسطين، إذ تم فيها طرد الرومان منها.
زيارة عمر
اشترط البطريرك صفرونيوس أن يتسلم الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه مدينة القدس التي كانت تسمى آنذاك "إيلياء"، فحضر عمر إلى فلسطين وكتب للمسيحيين عهداً أمنهم فيه على كنائسهم وصلبانهم، واشترط فيه ألا يسكن أحد من اليهود تلك المدينة المقدسة. ومنذ ذلك الحين تدفقت القبائل العربية من سوريا والحجاز ونجد واليمن وسكنت الأراضي الفلسطينية التي أصبح معظم أهلها مسلمين، وأصبحت اللغة العربية هي اللغة السائدة.

العهد الأموي 661 - 750
كانت فلسطين في العهد الأموي تابعة لدمشق يحكمها سليمان بن عبد الملك، ومن أعظم آثار تلك الفترة قبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن مروان في الموضع الذي عرج منه النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج، والمسجد الأقصى الذي أتم بناءه الوليد بن عبد الملك وهو البناء الذي ما زال قائماً حتى اليوم، ومدينة الرملة التي بنى فيها سليمان بن عبد الملك قصره الشهير والمسجد الأبيض. 

العهد العباسي 750 - 1258                   
بعد انتهاء حكم الدولة الأموية أصبحت فلسطين تابعة للدولة العباسية، وزارها الخليفة المأمون وولده المهدي، وفي ظل الدولة العباسية ازدادت عملية التعريب ونشأت أجيال جديدة نتيجة التزاوج بين الفاتحين العرب وأهل البلاد.

الطولونيون
وفي القرن الثالث الهجري ونتيجة لضعف قبضة الدولة العباسية على أجزاء كثيرة من فلسطين، استطاع الطولونيون السيطرة على لبنان وسوريا ومصر وفلسطين. ومن الآثار الشهيرة خلال فترة حكمهم تحصين ميناء عكا.

القرامطة
يعتبر المؤرخون القرن الرابع الهجري قرناً للاضطرابات السياسية، فقد أغار القرامطة المتدفقون من الخليج العربي على ديار الشام واحتلوا فلسطين بعد أن أحدثوا فيها كثيراً من الدمار والخراب. وبعد ذلك توالى على فلسطين أنظمة حكم متعددة من الإخشيديين والسلاجقة والفاطميين، فكان بحق قرناً للفوضى.

بدأت الحملات الصليبية عام 1095 واستمرت إلى أن انتهى الغزو الصليبي على يد خليل بن قلاوون سنة 1291
الاحتلال الصليبي 1095 - 1291
عاد الاحتلال الأجنبي لفلسطين مرة أخرى مع نهايات القرن الحادي عشر الميلادي، فقد شهدت أوروبا الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين فقر في المواد الخام وازدياد في أعداد السكان وخلافات بين الملوك والفرسان وبين البابا والملوك، فكانت الإغارة على الشرق حلا مريحاً لجميع الأطراف. وقد بدأت عمليات الشحن المعنوي بخطبة للبابا أوربان الثاني سنة 1095 طالب فيها العامة بتخليص قبر المسيح المقدس من أيدي المسلمين وتطهير القدس منهم.

فقاد بطرس الناسك أولى الحملات العسكرية التي استمرت قرنين والتي عرفت باسم الحملات الصليبية لأنها اتخذت الصليب شعاراً لها. واحتل بطرس الرملة ودمر يافا وحاصر القدس بجنود يقدر عددهم بأربعين ألفاً، وبعد شهر من الحصار استسلمت الحامية المصرية الصغيرة التي كانت موجودة هناك، فدخلوا القدس عام 1099 وقتلوا  فور دخولهم أعداداً كبيرة من سكانها العرب قدرتهم الكثير من المراجع التاريخية بسبعين ألفاً.

وأعلن الصليبيون إقامة مملكة لاتينية في القدس ومدوا نفوذهم إلى عسقلان وبيسان ونابلس وعكا واستقروا في طبريا.

معركة حطين
نجح نور الدين زنكي بعد قتال عنيف مع الحاميات الصليبية في استعادة بعض المدن والإمارات، واستكمل صلاح الدين الأيوبي تلك الانتصارت فكانت معركة حطين الشهيرة التي استرد بعدها بيت المقدس عام 1187.

معركة عين جالوت
في عهد الدولة المملوكية استطاع سيف الدين قطز والظاهر بيبرس صد الغزو المغولي الذي اجتاح أجزاء واسعة من العالم الإسلامي في معركة عين جالوت قرب الناصرة في عام 1259 فكانت واحدة من أهم وأشهر المعارك الإسلامية.

التطهير النهائي
واصل خليل بن قلاوون تحرير بقية المدن الفلسطينية التي ظلت بحوزة الصليبيين حتى طهرت البلاد منهم تماماً عام 1291. ومن آثار المماليك التي لم تزل قائمة في فلسطين حتى الآن بعض الأبنية والمدارس وبناء جسر بجوار اللد، وكان من أعمالهم ترميم قبة الصخرة والحرم الإبراهيمي.

العهد العثماني
انتصر العثمانيون على المماليك في معركة مرج دابق بالقرب من حلب عام 1516 ودخلوا فلسطين التي أصبحت تابعة للحكم العثماني منذ ذلك الحين ولمدة أربعة قرون.

حملة نابليون 1799

حاولت فرنسا بقيادة نابليون غزو فلسطين بعد احتلال مصر، ولكن الحملة ارتدت مهزومة بعد وصولها إلى عكا، حيث فشلت في اقتحام المدينة بفضل تحصيناتها وبسالة قائدها أحمد باشا.
محمد علي
قرر محمد علي والي مصر عام 1838 توسيع ملكه بضم بلاد الشام، فنجح ابنه إبراهيم باشا في فتح العريش وغزة ويافا ثم نابلس والقدس. وقامت في نابلس والخليل ثورات شعبية احتجاجاً على شدة إبراهيم باشا في تعامله مع الأهالي وفرضه ضرائب باهظة. ولم يدم حكم محمد علي للشام أكثر من عشر سنوات لتعود مرة أخرى إلى الحكم العثماني.

الاحتلال البريطاني 1917
بعد انتصار القوات البريطانية على تركيا في الحرب العالمية الأولى بقيادة الجنرال اللنبي دخلت فلسطين عام 1917 تحت الانتداب البريطاني حتى عام 1948، حيث انسحبت مفسحة المجال أمام اليهود لإقامة دولتهم في فلسطين التي سميت إسرائيل. ونجحت العصابات الصهيونية بمساعدة كل من بريطانيا والولايات المتحدة في إلحاق هزيمة بالعرب في حرب 1948، وأعلنوا قيام دولة إسرائيل بعد غياب عن الساحة الفلسطينية دام لأكثر من ألفي عام. 

عملت الولايات المتحدة على تنفيذ خطة التقسيم البريطانية. واستخدمت في ذلك اللجنة المشتركة التي جدت في عملها
إلى أن أعلنت بريطانيا في نيسان 1947 تخليها عن الانتداب، ثم عقبها محاولات الأمم المتحدة التي انتهت بالتصويت على قرار التقسيم بالأغلبية في 29تشرين الثاني 1947. 
تقسيم فلسطين
أرسلت بريطانيا لجنة ملكية إلى فلسطين وحددت مهامها في التثبت من الأسباب الرئيسية للاضطرابات والتحقق من كيفية تنفيذ صك الانتداب، وجاء تقرير اللجنة يؤكد أن أسباب الثورة العربية تتلخص في رغبة الفلسطينيين في نيل استقلالهم الوطني ورفضهم إنشاء وطن قومي لليهود. واقترحت اللجنة إنهاء الانتداب على فلسطين على أساس التقسيم وإبداله بنظام معاهدات على غرار ما جرى في العراق وسوريا، وإقامة دولتين إحداهما عربية وتشمل شرق الأردن مع القسم العربي الفلسطيني الذي حددته اللجنة، وثانيهما دولة يهودية في القسم الفلسطيني الذي ارتأت اللجنة أن يكون لليهود، وذلك شريطة أن تتضمن المعاهدتان ضمانات مشددة لحماية الأقليات في الدولتين، وأن تلحق بهما مواثيق عسكرية حول إقامة قوات البحرية والبرية والجوية والمحافظة على الموانئ والطرق والسكك الحديدية وأنابيب البترول.
وخارج حدود الدولتين دعت اللجنة إلى أن تكون هناك منطقة ثالثة تشمل القدس وبيت لحم، ويسهل عليها الاتصال بالبحر بواسطة ممر يمتد من القدس إلى يافا شمالاً ومدينتي اللد والرملة، واشترطت اللجنة أن تظل هذه المنطقة تحت الانتداب وألا يسري عليها تصريح بلفور، وتكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الوحيدة فيها. واقترحت في مقابل خسارة العرب لأراضيهم أن تدفع الدولة اليهودية إعانة مالية للدولة العربية عندما ينفذ التقسيم. وبالطبع رفض العرب تقرير اللجنة، أما اليهود فرغم اقتراح اللجنة منحهم دولة يهودية فإنهم رفضوا التقرير لمخالفته وعد بلفور الذي يتعهد بمنح فلسطين كاملة لليهود.
وفي 13 سبتمبر/ أيلول 1937 عرض وزير الخارجية البريطاني إيدن سياسة بريطانيا إزاء مشروع التقسيم أمام عصبة الأمم واقترح إرسال لجنة فنية لوضع خطة مفصلة للتقسيم. وإزاء رفض العرب واليهود تأجل تنفيذ مشروع التقسيم، ثم نشطت المساعي البريطانية الأميركية لإقناع العرب بتلك الفكرة مرة أخرى عام 1945 من خلال لجنة التحقيق الإنجليزية-الأمريكية المشتركة، ومن خلال مشروعي موريسون وبيفن عامي 1946 و1947.
وتحول مسرح الأحداث من عصبة الأمم في الثلاثينات إلى أروقة الأمم المتحدة في الأربعينات، فأعلنت بريطانيا قرارها التاريخي بتخليها عن الانتداب أوائل أبريل/ نيسان 1947 وطلبت من الأمين العام عرض القضية الفلسطينية في دورة خاصة. وعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 أبريل/ نيسان 1947 جلسة خاصة بالقضية الفلسطينية تقرر فيها تشكيل لجنة دولية للتحقيق. وبعد أربعة أشهر من إرسال اللجنة إلى فلسطين كان تقريرها مشابهاً لتقرير اللجنة الملكية البريطانية حيث أوصت بإبقاء الصفة الدينية لجميع الأماكن المقدسة، واعتماد الوسائل السلمية لإقرار أي حل.
وكانت التوصية الثالثة التي تعنينا في هذا العرض هي تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، وتتكون حدود الدولة العربية من الجليل الغربي ونابلس الجبلية والسهل الساحلي الممتد من أسدود جنوب يافا حتى الحدود المصرية، بما في ذلك منطقة الخليل وجبل القدس وغور الأردن الجنوبي، وتبلغ مساحة هذه الدولة 12 ألف كيلومتر مربع. أما المنطقة اليهودية فتتألف من الجليل الشرقي ومرج بن عامر والقسم الأكبر من السهل الساحلي ومنطقة بئر السبع والنقب، وتبلغ مساحة هذه المنطقة التي تعتبر أخصب الأراضي الفلسطينية 14200 كيلومتر مربع. أما الأماكن المقدسة فتشمل مدينة القدس ومنطقتها وتوضع تحت الوصاية الدولية ويعين مجلس الوصاية للأمم المتحدة حاكماً غير عربي وغير يهودي لهذه المنطقة.
وفي جلسة عقدتها الأمم المتحدة في 23 سبتمبر/ أيلول 1947 تقرر تحويل المشروع إلى لجنة خاصة تشكلت من ممثلين عن كل الدول الأعضاء بما فيهم ممثل يهودي وآخر فلسطيني، وقد رفض المندوب الفلسطيني المشروع بعد استعراض تاريخي لجذور القضية الفلسطينية، في حين أعلن المندوب اليهودي موافقته على المشروع مع مطالبته لضم الجليل الغربي ومنطقة القدس إلى الدولة اليهودية. وفي 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 طرح مشروع التقسيم للتصويت فصودق عليه بأغلبية 33 صوتاً مقابل معارضة 13 صوتا وامتناع عشرة دول عن التصويت. وفي 15 مارس/ آذار 1948 أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب على فلسطين وأعلنت الجلاء في أغسطس/ آب من العام نفسه وأكدت أنها لن تمارس أي سلطات إدارية أو عسكرية.
_____________

جريمة تهجير الفلسطينيين

بقلم د. سلمان أبو ستة*
لا يوجد في التاريخ الحديث جريمة توازي جريمة تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام 1948م على أيدي اليهود الصهاينة. لقد هاجمت أقلية أجنبية الأكثرية الوطنية وطردتها من ديارها ومحت آثارها العمرانية، وذلك بتخطيط مسبق ودعم سياسي وعسكري ومالي من الغرب والصهيونية العالمية.. هذه هي نكبة فلسطين عام 1948.
ورغم عدة حروب وغارات برية وجوية ورغم الاحتلال والتشريد فإن 88% من الفلسطينيين لا زالوا يعيشون في أرض فلسطين التاريخية والشريط الذي حولها في الأردن ولبنان وسوريا، و46% من هؤلاء  لا يزالون على أرض فلسطين التاريخية و42% في الدول العربية المجاورة. أما الباقون (12% أي حوالي مليون شخص) فنصفهم يقيم في بلاد عربية أخرى، والنصف الآخر في أوروبا وأميركا. وهؤلاء جميعاً ذوو خبرة مميزة وتعليم عال مما مكنهم من العمل في هذه البلاد.(الجدول رقم (1) يبين مواطن الفلسطينيين التي عاشوا فيها عدة قرون إلى أن اقتلعهم الغاصب منها. والجدول رقم (2) يبين توزيعهم في الشتات)

88%
من الفلسطينيين
لا زالوا يعيشون
في أرض فلسطين التاريخية والشريط الذي حولها في الأردن ولبنان وسوريا
لقد طرد الصهاينة بقوة السلاح أهالي 530 مدينة وقرية وقبيلة عام 1948م واستولوا على أراضيهم التي تبلغ مساحتها حوالي 18,6 مليون دونم أو ما يساوي 92% من مساحة إسرائيل (انظر جدول3). واقترف الصهاينة ما يزيد على 35 مجزرة لكي يتحقق لهم الاستيلاء على فلسطين. لقد بينت الملفات الإسرائيلية التي فتحت أخيراً أن 89% من القرى قد هُجرت بسبب عمل عسكري صهيوني، و10% بسبب الحرب النفسية (نظرية التخويف وإثارة الرعب)، و1% فقط بسبب قرار أهالي القرية (انظر جدول4).
من هم اللاجئون؟
اللاجئ هو كل فلسطيني (غير يهودي) طرد من محل إقامته الطبيعية في فلسطين عام 1948 أو بعدها، أو خرج منها لأي سبب كان ولم تسمح له إسرائيل بالعودة إلى موطنه السابق. ويبقى اللاجئ محتفظاً بهذه الصفة إلى أن يعود هو أو نسله إلى موطنه الأصلي.
وهذا معناه أن العودة إلى أرض فلسطين حتى لو كانت تلك الأرض دولة فلسطينية لا تسقط عنه صفة اللاجئ قانوناً ووجداناً وفعلاً ما دام اللاجئ لم يعد إلى موطنه الأصلي، وبالطبع فإن التوطين في أي بلد عربي -بما في ذلك دولة فلسطين لو قامت- لا يلغي صفة اللاجئ.
وحتى لو كان الشخص مقيماً في فلسطين 1948 (إسرائيل) وأصبح يحمل الجنسية  الإسرائيلية ولكنه مُنع من العودة إلى قريته الأصلية فهو لاجئ. ويوجد اليوم في إسرائيل 250 ألف لاجئ داخلي -أي حوالي ربع الفلسطينيين في إسرائيل- كلهم منعوا من العودة إلى قراهم الأصلية. ومثال قريتي إقرت وبرعم معروف، فأهل هاتين القريتين طردوا من موطنهم في نوفمبر/ تشرين الثاني 1948 ووعدوا بالعودة خلال أسبوعين، ولم يعودوا حتى الآن بعد 52 سنة رغم صدور حكم لصالحهم من المحكمة العليا الإسرائيلية.

89%
من القرى
هُجـرت بسبب عمل عسكري صهيوني، و10% بسبب الحرب النفسية و1% فقط بسبب قرار أهالي القرية
هذا التعريف للاجئ يطابق القانون الدولي الذي على أساسه صدر قرار الأمم المتحدة رقم 194 الشهير القاضي بحق اللاجئين في العودة، إذ جاء في المذكرة التفسيرية للقرار أن العودة تكون للموطن (البيت أو المنزل أو الحقل) نفسه الذي خرج أو أخرج منه وليس إلى الوطن بمعناه العام.
وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة "الأنروا" استعملت تعريفاً آخر، إذ أضافت إلى التعريف السابق "والذي فقد مصدر رزقه أو يحتاج إلى معونة"، وذلك لأن الغرض من الوكالة كان غوث اللاجئين بإطعامهم وتعليمهم ورعايتهم الصحية. ونلاحظ أن عدد اللاجئين المسجلين لدى الوكالة هو 3,8 ملايين فقط من أصل 5,25 ملايين لاجئ، مما يعني أن هناك 1,5 مليون لاجئ غير مسجل.
وتحاول إسرائيل أن تتلاعب بهذه التعريفات لكي تقلل عدد اللاجئين، فمثلاً تدعي أحيانا أن اللاجئين هم فقط سكان المخيمات أي حوالي مليون شخص، وهذا خطل واضح. أو تدعي أن اللاجئين هم فقط الذين ولدوا قبل 1948 وتقدر عددهم بخمسين ألفا فقط، في حين أن العدد الحقيقي حوالي 500 ألف.
وليست هناك قيمة قانونية لهذه الادعاءات كلها لأن تعريف الأمم المتحدة في القرار 194 واضح تماماً. وإذا طبق هذا القرار فليس لإسرائيل أن تختار وتنتقي من هم أهل اللد أو الفالوجة أو صفورية مثلاً، فهم معروفون لأنفسهم ولغيرهم من الفلسطينيين ومعظمهم مقيد في سجلات الأنروا أو سجلات الأمم المتحدة للأملاك الفلسطينية وغير ذلك من السجلات.
وهناك تعبير آخر كثير الاستعمال وهو "النازح"، أي الشخص الذي كان مقيماً حتى 1967 في غزة أو الضفة -سواء كان مواطناً أو لاجئاً- وخرج منهما إلى الأردن غالباً بسبب حرب 1967. وهذا التعبير ليست له قيمة قانونية وهو اختراع إسرائيلي رغبة في ادعاء السيادة على الضفة وغزة، وهذا ما يرفضه كل المجتمع الدولي بما فيه أميركا، ولذلك فهي تدعي الحق في السماح بعودة من تشاء من "النازحين". وإذا ما أزيل الاحتلال عن الضفة وغزة يبقى اللاجئ لاجئاً والمواطن مواطناً، ولهما الحق في التنقل والعيش كأي شخص آخر، ولذلك فإن التفاوض حول "النازح" إنما هو اعتراف ضمني بالاحتلال أو بسيادة إسرائيل على تلك المناطق، بحيث يكون لها الحق في منع أو تحديد عدد "النازحين" المسموح لهم بالعودة كلٌ إلى بيته أو مخيمه.
وقد أكد المجتمع الدولي على حق اللاجئين في العودة بموجب القرار 194 أكثر من مائة مرة خلال 52 سنة، في ظاهرة ليس لها مثيل في تاريخ الأمم المتحدة. وهذا القرار يتعدى قرار 242 المقصود به إزالة آثار عدوان 1967، كما أنه لا يتعارض مع قرار التقسيم 181 الذي يقضي بحق كل مواطن في بيته وأرضه بغض النظر عن سيادة الدولة التي يعيش فيها. كما أن حق العودة مكفول بالمادة 13 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، بل إن حق العودة نابع من حرمة الملكية الخاصة التي لا تسقط بالاحتلال أو السيادة أو مرور الزمن.

يوجد اليوم في إسرائيل 250 ألف لاجـئ فلسطينـي،
أي حـوالي ربـع الفلسطينييـن في إسرائيل. كلهم منعوا من العودة إلى
قراهم
إن حق العودة حق فردي بموجب هذه التشريعات كلها ولذلك لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل، ولا يمكن إسقاطه في أي اتفاق أو معاهدة.
كما أن حق العودة حق جماعي بموجب حق تقرير المصير الذي أكدت عليه الأمم المتحدة عام 1974 في أقوى بيان جامع للحقوق الفلسطينية وأسمتها "الحقوق غير القابلة للتصرف"، ولذلك فهي لا تسقط في حالة إبرام معاهدة سلام. وبالطبع فإن اتفاق المبادئ في أوسلو ليس له أي قيمة قانونية لإسقاط الحقوق "غير القابلة للتصرف".
هل العودة ممكنة؟
تلجأ الدعاية الإسرائيلية والموالون لها من الباحثين في الغرب إلى الزعم بأن عودة اللاجئين إلى أراضيهم -وإن اعترف البعض بأنها سليمة قانوناً- مستحيلة عمليا، لأن الحدود ضاعت وامتلأت البلاد بالمهاجرين الجدد، وليس هناك دليل مقنع على صحة ذلك. وقد قمنا بدراسة ديمغرافية للسكان من يهود وفلسطينيين في الريف والحضر في 46 إقليماً طبيعياً تمثل التقسيمات الإدارية لإسرائيل، وأضفنا إلى كل إقليم حصته من العائدين الفلسطينيين حسب مواطنهم الأصلية، فلم نجد ما يثبت هذا الزعم. ولتبسيط الموضوع يمكن تقسيم إسرائيل إلى 3 مناطق:
منطقة (1)
وتشمل 8 أقاليم في المنطقة الوسطى للبلاد وحول حيفا ومساحتها 1,683 كم2 ويعيش فيها 68 % من اليهود. وهذه المنطقة تطابق تقريباً في مساحتها ومكانها الأراضي اليهودية عام 1948 مما يؤكد أن العادات اليهودية في التجمع لم تتغير كثيراً خلال خمسين سنة.
منطقة (2)
وتشمل خمسة أقاليم ملاصقة لمنطقة (1) ومساحتها 1,318 كم2 ويعيش فيها 10 % من اليهود، وهذه المنطقة تساوي تقريباً مساحة أراضي الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل ولو أنها ليست بالضرورة في المكان نفسه، وهذا معناه أن منطقتي (1) و(2) اللتين تبلغ مساحتهما 14% من إسرائيل هي مسكن 78% من اليهود.
منطقة (3)
ومساحتها 17,325 كم2 وتساوي في مساحتها وموضعها موطن اللاجئين الفلسطينيين ويسكن فيها الآن 22% من اليهود فقط، لكن 19% من الـ 22% يعيشون في عدد من المدن، والباقون 3% فقط في الريف، وهذا يعني أن 160 ألف يهودي يسرحون ويمرحون على أرض هي ملك 5,250 ملايين لاجئ (أرقام عام 2000)، وهؤلاء لا يزالون مكدسين في المخيمات على بعد بضع كيلومترات.
إذن لو عاد اللاجئون كلهم إلى ديارهم لأمكن استيعاب غالبيتهم في المنطقة (3)، وعندئذ تزيد كثافة السكان فيها من 82 إلى 246 شخصاً في الكيلومتر المربع وهو رقم معقول. أما زيادة الكثافة في إسرائيل ككل فتزيد من 261 إلى 482 شخصاً/ كم2 ولا تتأثر المناطق اليهودية بذلك إلا تأثيرا بسيطا.
التخطيط للعودة
ويكون الأمر أبسط من ذلك لو وضعنا برنامجاً مرحلياً لعودة اللاجئين. فقد استوعبت إسرائيل مليون يهودي روسي من دون أن يزدحم مطار بن غوريون بهم في يوم من الأيام. لو فرضنا أننا استوعبنا مليون لاجئ من المناطق التي تؤذن بالانفجار في أي لحظة بعودة 329 ألف لاجئ مسجل في وكالة الغوث من لبنان إلى الجليل، و679 ألف لاجئ مسجل من غزة إلى جنوب فلسطين/ إسرائيل لوجدنا الآتي: في حال عودة لاجئي لبنان لن تتأثر المنطقة اليهودية في (1) على الإطلاق، ولزادت كثافة المنطقة
(2) بمقدار 6% فقط، ولأمكن استيعاب معظم اللاجئين في الجليل في قراهم الأصلية في المنطقة (3) التي ستزيد حينئذ كثافتها من 82 إلى 96 شخصاً/ كم2 فقط، ولبقي اليهود غالبية السكان بنسبة 76% في البلاد وهذا ما يحرصون عليه أشد الحرص.
وفي حال عودة اللاجئين من غزة إلى جنوب فلسطين/ إسرائيل (قضاء غزة وبئر السبع)، فلن تتأثر المنطقة اليهودية (1) أيضاً، ولزادت كثافة المنطقة (2) بمقدار 4,5% فقط، ولأمكن استيعاب جميع اللاجئين من غزة في المنطقة (3) في الجنوب، وحينئذ تزيد كثافتها من 82 إلى 108 أشخاص/ كم2، ويبقي اليهود غالبية في البلاد بنسبة 72%.
فوائد اقتصادية لعودة اللاجئين
بل إن عودة اللاجئين إلى مزارعهم –وهم الذين جبلوا على الزراعة لعدة قرون– ستعطي ناتجاً زراعياً أعلى بكثير من الناتج الزراعي الإسرائيلي المنخفض نتيجة الكيبوتس الذي لا يتجاوز إنتاجه الزراعي 4% من قيمة الصادرات، أو 1,8% من الناتج المحلي الإسرائيلي.
وهكذا فإن خرافة ازدحام البلاد في كل أطرافها ليس لها أساس من الصحة، والغرض من إشاعتها هو الحفاظ على الأراضي فارغة لإسكان مهاجرين جدد.
سجلات الحدود والأملاك
والخرافة الأخرى التي تدعيها إسرائيل أن الحدود والأملاك ضاعت ويصعب تحديدها.. وهذا هراء، إذ لا توجد بلاد في الشرق العربي أكثر دراسة وتخطيطاً من فلسطين. فالخرائط البريطانية أيام الانتداب شملت كل المدن والقرى بتفصيل دقيق، والسجلات البريطانية ساعدت "غارفس" خبير الأمم المتحدة على تسجيل ملكية نصف مليون مالك. كما أن الخرائط البريطانية نفسها أصبحت أساساً لخرائط إسرائيل التي رصدت عليها كل تغيير حدث لفلسطين منذ عام 1948. وتحتفظ "إدارة أراضي إسرائيل" بسجلات الأملاك القديمة وتسجل ما حدث لها من تأجير واستغلال، وبموجب هذا تؤجر الأراضي للكيبوتس والموشاف.
جدول رقم 1 (الفلسطينيون الذين اقتلعوا من ديارهم.. أين كانت مواطنهم؟)
عدد اللاجئين عام 2000
عدد اللاجئين عام 1948
عدد
القرى المهجرة
القضاء
306753
47038
30
عكا
635215
97405
64
الرملة
127832
19602
31
بيسان
590231
90507
88
بئر السبع
521365
79947
46
غزة
790365
121196
59
حيفا
149933
22991
16
الخليل
803610
123227
25
يافا
638769
97950
39
القدس
26118
4005
6
جنين
57036
8746
5
الناصرة
340729
52248
78
صفد
188285
28872
26
طبريا
71944
11032
18
طولكرم
5248185
804766
531
المجموع

أي أن 85% من أهالي الأراضي التي أقيمت عليها إسرائيل أصبحوا لاجئين.
جدول رقم 2 (أين ينتظر اللاجئون الفلسطينيون العودة إلى الوطن؟)
اللاجئون منهم
الفلسطينيون كافة
مكان اللجوء
250 ألف لاجئ داخلي
1012547
فلسطين 1948 (إسرائيل)
813570
1066707
قطاع غزة
693268
1695429
الضفة الغربية
1849666
2472501
الأردن
433276
456824
لبنان
472475
494501
سوريا
42974
51805
مصر
291778
291778
السعودية
36499
40031
الكويت
112116
112116
باقي دول الخليج
78884
78884
العراق وليبيا
5887
5887
الدول العربية الأخرى
183767
216196
أميركا الشمالية والجنوبية
234008
275303
باقي دول العالم
5498186
8270509
المجموع
أي أن الفلسطينيين لاجئون محرومون من العودة إلى ديارهم لأنهم ليسوا يهودا، في حين يتدفق آلاف المهاجرين من روسيا والحبشة وغيرها ليعيشوا في بيوتهم وعلى أرضهم.
  جدول رقم 3 ( كم هي أرضهم؟)
1682 ألف دونم
 الأرض اليهودية عام 1948
 1465 ألف دونم (صادرت إسرائيل نصفها)
 أراضي الفلسطينيين الذين بقوا
 17178 ألف دونم
 أراضي الفلسطينيين الذين طردوا
20325 ألف دونم
 مجموع إسرائيل

وهذا يعني أن 92% من الأرض التي أقيمت عليها إسرائيل هي أرض فلسطينية.
  جدول رقم 4 ( لماذا نزحوا؟)
عدد القرى
حسب الملفات الإسرائيلية
122
 الطرد على يد القوات اليهودية  
270  
 الهجوم العسكري اليهودي المباشر 
38
 الخوف من هجوم يهودي متجه نحو القرى 
49
 تأثير سقوط مدينة قريبة   
12
 الحرب النفسية    
6
 الخروج الاختياري   
34
 غير معروف    
531
 المجـمـوع      
أي أن 90% من القرى نزحت بسبب هجوم عسكري يهودي.
أوضاع اللاجئين في أماكن الشتات
عندما فجع العالم العربي بنكبة فلسطين عام 1948 استقبل العرب في ما تبقى من فلسطين وفي البلاد العربية المجاورة أفواج اللاجئين بالترحاب والمشاركة المعنوية والمادية. وسكن اللاجئون أولاً لدى أقاربهم ومعارفهم وفي المباني الخالية وفي المعسكرات والمساجد. وبعد إنشاء وكالة الغوث عام 1950 أقيمت لهم خيام ثم مساكن مبنية في أراض خصصتها الحكومات العربية. وبينما كان عدد اللاجئين عام 1948 حوالي مليون لاجئ أصبح عددهم اليوم 5,25 ملايين موزعين في أنحاء العالم على النحو الآتي (أرقام 1998 أي بعد مرور نصف قرن على النكبة) 
المسجلون منهم (بالألف نسمة)
اللاجئون (بالألف نسمة)
المكان
-
250
فلسطين 1948 (إسرائيل)
766
766
قطاع غزة
587
652
الضفة الغربية
1472
1742
الأردن
393
408
لبنان
383
445
سوريا
-
534
باقي البلاد العربية
-
393
البلاد الأجنبية
3601
5191
المجـمـوع

تعيش أكبر مجموعة من اللاجئين في الأردن وتشكل نسبة 34% من مجموع اللاجئين أو 41% من المسجلين لدى وكالة الغوث. وقد أصبح غالبهم مواطنين أردنيين عندما ضم الملك عبد الله عاهل الأردن آنذاك الضفة الغربية بناء على قرارات المؤتمر الشعبي الذي عقد في عام1950، وقد احتجت بعض الدول العربية على هذا الضم خشية ضياع الحقوق الوطنية الفلسطينية وإلغاء الكيان الفلسطيني. ولذلك صدرت إشارة في قرار الضم إلى أنه جاء بناء على رغبة الفلسطينيين، وأنه لا ينقص من الحقوق الفلسطينية في أي شيء.
وفي عام 1955 أصدرت الجامعة العربية قراراً يمنع الدول العربية من السماح بالجمع بين جنسيتين عربيتين، وأنه لا تمنح الجنسية العربية للاجئ الفلسطيني حفاظاً على هويته.
في الأردن
ويعامل القانون الأردني الفلسطينيين في الأردن المواطنين فيها مثل معاملة الأردنيين من أصل شرق أردني. أما من ناحية التطبيق العملي فالأمر مختلف، إذ يصعب على الفلسطينيين الحصول على وظائف حكومية بنسبة تقارب عددهم، كما يقل عددهم في البرلمان ويكاد ينعدم في الوظائف الحساسة.
في لبنان
وفي لبنان يقاسي اللاجئون كثيراً لأسباب اقتصادية وسياسية، ونظراً لتركيبة لبنان الطائفية والحرب بين الطوائف بعضها ببعض وبينها وبين الفلسطينيين، وخروج منظمة التحرير من لبنان وانحسار نفوذ ياسر عرفات خصوصا بعد اتفاق أوسلو، وصل الوضع السياسي للاجئين في لبنان إلى الحضيض، فقد أقفلت عليهم المخيمات وقيدت تحركاتهم، ولم تعد لهم مرجعية سياسية واحدة، بل انفردت كل فئة بالسيطرة على أعضائها دون تنسيق مع الآخرين.
أما من الناحية الاقتصادية فقد وصل وضعهم إلى الحضيض أيضا بسبب خروج المنظمة التي كانت تنفق الأموال على الخدمات الاجتماعية، وبسبب منع الحكومة اللبنانية الفلسطينيين من مزاولة 73 مهنة، وبسب تخفيض خدمات وكالة الغوث التي أحجم المانحون الأوروبيون والأميركيون عن تقديم الدعم الكافي لها، خدمة لأهداف أوسلو وللضغط على الفلسطينيين لقبول التنازل عن معظم حقوقهم.
في سوريا
وفي سوريا يتمتع اللاجئون بكافة الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطن السوري عدا الحقوق السياسية كالترشيح والانتخاب، ونشاطهم السياسي محكوم بالسياسة السورية ومراقب بشدة، فلا يسمح بالتجمعات أو تكوين جمعيات أو التعبير الحر إلا في أضيق الحدود.
في الضفة وغزة
وفي الضفة وغزة كان اللاجئون والمواطنون تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، وعندما أنشئت السلطة الفلسطينية عام 1994 حصل انتعاش سياسي واقتصادي، لكنه ما لبث أن انتكس نتيجة للقمع السياسي لكل من يعارض اتفاقية أوسلو، ونتيجة للفساد الذي يمارسه بعض أصحاب النفوذ في السلطة الجديدة.
على أن أكبر عامل في هدم الاقتصاد وسلب الحريات كان إجراءات الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة في إقفال الطرق وتطويق المدن وهدم المنازل، والقبض العشوائي على المواطنين واغتيال قادتهم، وبناء المستوطنات وإطلاق حرية قطعان المستوطنين للعيث فساداً، وتطبيق كل خطط العنصرية الإسرائيلية الفاشية.
ورغم كون الأنروا الثابت الوحيد في حياة اللاجئين منذ إنشائها فإن خدماتها بدأت في التدهور من عدة نواح منها: العجز في ميزانيتها بسبب تلكؤ المانحين في الدفع حسب المعدلات السنوية، وزيادة عدد السكان التي تستوجب زيادة المنح لا خفضها.
الموقف الألماني والأمريكي من الأنروا
ومن الجدير بالذكر أن أميركا وألمانيا هما أكثر دولتين إخلالاً بواجبهما، وأميركا أكبر مانح حفاظاً على أمن إسرائيل وحماية لمصالحها الاستراتيجية، فهي تدفع 74 مليون دولار سنوياً للاجئين الذين يبلغ عددهم 3,6 ملايين شخص، أي 20 دولارا في السنة لكل لاجئ، لكنها في المقابل تدفع 80 مليون دولار سنوياً للمهاجرين الروس القادمين لكي يعيشوا في بيوت اللاجئين الفلسطينيين، أي بمعدل 1230 دولارا في السنة للمهاجر، وهو ما يساوي 60 ضعفا مما تدفعه للفلسطيني.
أما ألمانيا فقد خفضت مساهمتها السنوية من ثمانية ملايين دولار سنويا إلى خمسة ملايين فقط، في حين دفعت تعويضات لإسرائيل بما قيمته 102 مليار مارك ألماني حسب اتفاقية لكسمبورغ عام 1951، وتدفع عشرة مليارات مارك تعويضاً عما يسمى "عمال السخرة"، عدا مساهمتها في التعويضات السويسرية البالغة 1,25 مليار دولار. هذا بالإضافة إلى أن المانيا قدمت لإسرائيل هدية تتمثل في عن ثلاثة غواصات مجهزة بأحدث التقنيات.
أما أكثر الدول سخاء فهي الدول الإسكندنافية التي تدفع أعلى نسبة بين دول العالم من دخلها القومي مساعدات للأنروا.
وتبقى الأنروا هي المؤسسة الدولية التي تمثل حقوق اللاجئين قانونياً وتاريخياً ومعنوياً، ويعمل بها حوالي 22 ألف موظف كلهم -ما عدا مائة ونيف- فلسطينيون.
في البلاد العربية الأخرى
أما الفلسطينيون في البلاد العربية الأخرى وخصوصاً الخليج فهم يعملون هناك بسبب كفاءتهم العالية وإخلاصهم في العمل وليس بموجب تسهيلات سياسية، بل على العكس، كانت الأوضاع السياسية ولازالت أكبر عائق لوجودهم أو بقائهم أو شعورهم بالأمن والاستقرار.  ففي حرب الخليج الثانية (غزو الكويت) طردت أعداد كبيرة من دول الخليج، ومنعت عودة 350 ألف فلسطيني كانوا في الكويت وخرجوا أثناء احتلالها، ولايزال دخولهم إلى دول الخليج مقيداً ومحدداً جداً.
في أوروبا وأمريكا
أما الفلسطينيون في أوروبا وأميركا فقد زاد عددهم كثيراً بعد غزو الكويت، ومصدر الزيادة ليست دول الخليج فحسب ولكن من لبنان أيضا. وتوجد الآن جاليات كبيرة في معظم الدول الأوروبية تتراوح بين خمسة آلاف في فرنسا إلى 15 ألفا في إسكندنافيا إلى 30 ألفا في ألمانيا. وتوجد جالية عربية في إنجلترا لا تقل عن 250 ألف نسمة، نسبة كبيرة منها فلسطينيون. وفي أميركا الشمالية توجد جالية فلسطينية تتجاوز 150 ألفاً. وفي أميركا الجنوبية أكثر من ذلك، خصوصاً تشيلي التي تعيش فيها أكبر جالية فلسطينية في العالم عدا دول الطوق، ولكن ليست كلها من اللاجئين بل معظمهم مهاجرون قدامى.
وقد امتازت هذه الجاليات في أوروبا وأميركا بالنشاط الاجتماعي والسياسي بسبب ممارسة الديمقراطية، وقد تطور هذا بسبب سهولة الاتصال وحشد الجهود بواسطة الإنترنت، كما لعبت الفضائيات العربية دوراً كبيراً في نقل الأخبار والأفكار.
وخلال النصف الأول من عام 2000 شهدت معظم عواصم العالم تظاهرات مؤيدة لحق العودة، وزيادة في نشاط اللوبي لدى الأحزاب والبرلمانات في تلك البلاد، وقد تضاعف هذا كثيراً بعد انتفاضة الأقصى 2000، وظهرت أول آثاره في الجهد الموحد للعرب والمسلمين في الانتخابات الأميركية (7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000).
ولاشك أن السنوات القادمة ستشهد تطوراً كبيراً في هذا الميدان ستكون له آثار هامة، خصوصاً عندما تتآزر هذه مع المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي. وتبقى نشاطات الجاليات الفلسطينية في الدول العربية -رغم زيادتها- من أقل النشاطات بسبب إجراءات الأنظمة العربية.
المواقف العربية من قضية اللاجئين
كان الموقف العربي ثابتاً حول ضرورة عودة اللاجئين إلى ديارهم، وهذا الثبات على الموقف أقدم مما يبدو لأول وهلة، فسبب دخول القوات العربية إلى فلسطين عام 1948 هو إنقاذ الفلسطينيين من مجازر إسرائيل وإعادتهم إلى ديارهم. وفي مارس/ آذار 1948 قبل انتهاء الانتداب كان كثير من الدول العربية غير راغب في دخول فلسطين، وبالقطع غير مستعد لذلك، ولكن بسبب المظاهرات التي عمت العواصم العربية -مثلما تكرر في انتفاضة الأقصى 2000- أُجبرت بعض الدول العربية مثل مصر والعراق ولبنان على الدخول إلى فلسطين (كانت سوريا ستدخل لأسباب عربية وقومية، والأردن لتنفيذ خطة الملك عبد الله لضم جزء من فلسطين).
وفي مفاوضات لوزان (1949 – 1951) بعد الهزيمة، أبدى العرب استعدادهم لعقد معاهدة سلام مع إسرائيل بشرط عودة اللاجئين، ولكن بن غوريون رفض عرض السلام لأن معناه عودة اللاجئين.

كانت الدول العربية
في اجتماعـات الأمم المتحدة تصر دائماً على حق اللاجئين في العودة، ولذلك صدرت قـرارات كثيرة تؤيد هذا الحق 
الموقف العربي من مشاريع التوطين
وعندما عرضت مشاريع التوطين في البلاد العربية رفضتها الحكومات العربية مع بعض الفروقات، أبدى الأردن استعداده لتوطين عدد من اللاجئين في الضفة الغربية بقدر ما تتراجع إسرائيل عن خط الهدنة لإيجاد مكان لسكنى هؤلاء تحت سيادة الأردن، بمعنى أنه مثلاً لو تراجعت إسرائيل عن احتلال 78% من فلسطين إلى 54% -وهي النسبة المخصصة للدولة اليهودية في مشروع التقسيم- لأمكن للأردن استيعاب 300 ألف لاجئ على الأقل هم سكان المنطقة المتراجع عنها.
وقد وافق حسني الزعيم عام 1949 على مشروع خطة للاعتراف بإسرائيل وتوطين اللاجئين لديه بشرط دعم مادي وسياسي لحكمه من الولايات المتحدة، ولكنه لم يعش لينفذ هذه الخطة، بالإضافة إلى أن بن غوريون لم يقبل عرضه.
باستثناء هذه المواقف الهامشية فإن الدول العربية كانت تصر دائما في اجتماعات الأمم المتحدة على حق اللاجئين في العودة، ولذلك صدرت قرارات كثيرة تؤيد هذا الحق.
المواقف الدولية والإسرائيلية من قضية اللاجئين
تمثل الموقف الدولي العام فيما صدر من قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد الحقوق الفلسطينية، ولذلك لا يوجد موقف دولي عام مخالف للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
أما موقف الدول الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا فهو منحاز لإسرائيل، وكانت اقتراحاتها لحل مشكلة اللاجئين مستوحاة من المصالح الإسرائيلية. أما الآن فإن الحلول التي تطرح هي حلول إسرائيلية تتبناها بالكامل الولايات المتحدة ولا تعارضها الدول الأوروبية، وتختبئ كلها وراء شعار "حسب ما يتفق عليه الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي"، وهذا معناه إسقاط مرجع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والقبول بالحل الذي يفرضه الإسرائيليون على الفلسطينيين بموجب الفارق الهائل في ميزان القوة العسكرية. وبكلمات أكثر بساطة تقول الدول الغربية ليس لدينا مانع لو طرحت إسرائيل الفلسطينيين أرضاً وأجبرتهم على توقيع وثيقة استسلام.
الحل الإسرائيلي لقضية اللاجئين
الحل الذي تعرضه إسرائيل في أكثر من أربعين صيغة منذ عام 1949 يتلخص في الآتي:
- عدم عودة اللاجئين إلى ديارهم خلا أعداد ضئيلة لأسباب دعائية.
- توطين اللاجئين أو ترحيلهم إلى أماكن أخرى.
- تعويض اللاجئين بمبالغ تافهة ثمناً للوطن وتدفع الدول الغربية هذا الثمن، ويبقى الوطن بما فيه وما عليه ملكاً شرعياً لإسرائيل.
تفترض مشاريع التوطين أن الفلسطينيين ليسوا شعباً فهم حفنة من العرب يمكن أن يعيشوا في أي مكان، وفلسطين لا توجد أصلا إنما هذه أرض إسرائيل، واليهود يستحقون هذه الأرض لأنهم حاربوا من أجلها كما أنهم طوروها وبنوا عليها.
السيناريو الأحدث للتوطين
وآخر مشاريع التوطين هو الاقتراح الذي قدمته المحامية اليهودية الروسية الأميركية دونا آرزت، وتبناه مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وطاف به على الدول العربية ولكنها رفضته مثل ما فعل اللاجئون في كل المشاريع السابقة.
وتقترح آرزت شحن 1,5 مليون لاجئ إلى أماكن عديدة، وتوطين عدة ملايين حيث هم فلا يعود إلى إسرائيل إلا عدد رمزي، ويرحّل معظم لاجئي لبنان، ويبقى معظم لاجئي سوريا، ويخفف عدد لاجئي غزة بإرسالهم إلى الضفة الغربية، ويضاف إلى الضفة عدد من الأردن حتى تصل طاقة الضفة إلى غايتها، ويرحّل الآخرون إلى الخارج. ولتحلية مرارة المشروع تقترح آرزت منح كل فلسطيني أينما كان جوازاً فلسطينياً حتى يمكنه زيارة دولة فلسطين العتيدة التي ستقام على أجزاء من الضفة.
إن هذا المشروع وأمثاله يقع تحت طائلة جرائم الحرب، ويفترض أن يساق مروجوه إلى محكمة جرائم الحرب لمعاقبتهم. فتوطين اللاجئين القسري جريمة من جرائم الحرب، بل إن استيطان المحتلين للمناطق المحتلة مثل الضفة وغزة جريمة من جرائم الحرب، كما أن عمليات التطهير العرقي وطرد الأهالي من ديارهم جريمة من جرائم الحرب، وهذا ما اقترفته إسرائيل عام 1948.
مغالطات إسرائيلية
ثم تقترح إسرائيل "تعويض" اللاجئين من باب الإنسانية وليس من باب المسؤولية القانونية. والمطالع لخطة إسرائيل في التعويض يدرك تماماً أن هذه واحدة من الخدع الإسرائيلية التي تلجأ إليها إسرائيل كالعادة.
أولاً: تقدر إسرائيل قيمة الأملاك الفلسطينية بما يعادل 2% من قيمتها الحقيقية.
ثانياً: إنها تدعي أنها لا تملك المال اللازم لذلك فهي تطلب من أوروبا وأميركا وربما بعض الدول العربية إنشاء صندوق دولي للتعويض.
ثالثاً: ورغم أنها لن تدفع شيئاً يذكر فإن إسرائيل تصر على أن تكون صاحبة القرار فيمن يستحق التعويض وقيمته، وتؤكد على أهمية المرحلية بمعنى أنه عند دفع أول مليون دولار يجب هدم مخيم للاجئين وشطب قائمة من أسمائهم وإغلاق وحل مكاتب الأنروا في هذا المكان، ولا يتم دفع المليون الثاني قبل عمل ذلك بحيث لا يبقي للاجئين أي أثر عند دفع آخر مبلغ.
رابعاً: وتطلب إسرائيل من السلطة إجبار اللاجئين على قبول هذا الحل، وتكون السلطة مسؤولة عن أي مطالب لهم، ثم تحدد فترة معينة للاجئين يسقط بعدها حقهم في أي مطالبة إن تأخروا أو لم يتقدموا بأي مطالبات.
وهذا الطرح مليء بالمغالطات والمخالفات القانونية كما سيأتي بيانه، ثم إن الفلسطينيين لم يعرضوا وطنهم للبيع وإلا لما بقوا في المعاناة والشتات أكثر من خمسين عاماً. وغرض إسرائيل من هذا الطرح هو الاستحواذ على رقعة فلسطين ملكاً شرعياً لها بتوقيع صاحب الحق مقابل مبالغ تافهة تدفعها أطراف أخرى.
ما هي الحقوق الفلسطينية إذن؟
لقد تحمل الفلسطينيون آلام النكبة وويلات الحروب والتشريد والاحتلال من أجل هدف واحد هو الإصرار على تحقيق حقوقهم الثابتة غير القابلة للتصرف. وأهم هذه الحقوق هو حق العودة إلى البيت والأرض والموطن الذي طرد منه اللاجئ الأصلي أو غادره لأي سبب، وهذا الحق حق أساسي وليس مجرد حق سياسي، لأن الحق السياسي يمنح أو يمنع، أما الحق الأساسي فهو حق ثابت غير قابل للتصرف.
وحق العودة نابع من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ومن قرار الأمم المتحدة رقم 194 الشهير الذي لا يزال يؤكده المجتمع الدولي كل عام، كما أنه نابع من حق الملكية الخاصة وحرمتها التي لا تنقضي بمرور الزمن أو الاحتلال أو السيادة أو أي اتفاق سياسي.
وحتى قرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين والسابق لقرار 194 فإنه لا يتعارض مع القرارات اللاحقة، لأن قرار 181 يقضي بحق المواطن العربي في دولة يهودية والعكس؛ في أن يأمن على نفسه وملكيته وحقوقه المدنية والسياسية دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو أي سبب آخر.
كما يحق للاجئين التعويض عن كل الأضرار المادية والنفسية التي تعرضوا لها على يد إسرائيل خلال خمسين عاماً. وعكس ما تقصد إسرائيل فإن التعويض ليس مطلوباً من قيمة الأرض والممتلكات فالوطن لا يباع.
ومبدأ التعويض هو إعادة الشيء إلى أصله أو التعويض عن قيمته إذا استحالت إعادته إلى أصله، ويستحق اللاجئون عدة أنواع من التعويض: التعويض عن الخسائر المادية الفردية وهي الدمار الذي لحق بالأملاك والدخل المستحق من استغلالها لمدة خمسين سنة، والخسائر المعنوية الفردية مثل التشريد والتشتيت والمعاناة النفسية، والخسائر المادية الجماعية مثل الطرق والموانئ والمطارات والمياه والثروة المعدنية، والخسائر المادية المعنوية مثل فقدان الهوية وفقدان السجلات والحرمان من الأماكن المقدسة والحضارية.

تعد مشروعات
توطين اللاجئين من جرائم الحرب، ويفترض أن يساق مروجوها إلى محكمة جرائم الحرب لمعاقبتهم
وعلى سبيل المثال تبلغ قيمة الأملاك الفلسطينية الشخصية في الوقت الحالي ما لا يقل عن 560 مليار دولار، ومن هذا يمكن حساب الدخل المستحق للاجئين.
ويضاف إلى التعويض المبالغ المستحقة عن جرائم الحرب مثل القتل والتعذيب وتدمير القرى والمدن، والجرائم ضد الإنسانية مثل ترحيل الأهالي أو معاملتهم معاملة عنصرية أو قيامهم بأعمال السخرة، والجرائم ضد السلام مثل التخطيط للعدوان والتحريض عليه والمبادرة به. وقد اقترفت إسرائيل كل هذه الجرائم، وأصبح ممكناً محاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم بعد إعلان ميثاق روما عام 1998 الذي أنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية.
الخلط بين حق العودة والتعويض
ويجب ألا يخلط أحد بين العودة والتعويض فليس أحدهما بديلاً عن الآخر، واللاجئون يستحقون حق العودة والتعويض أيضاً. ومنعاً لهذا الالتباس فإن حق العودة واجب النفاذ أولاً وبعده يتم التعويض. وعكس ما تطرحه إسرائيل فإن واجب دفع قيمة التعويض يقع على إسرائيل نفسها وليس على صندوق دولي، وهو ما أكده نفس القرار 194. ثم إن قيمة التعويض ليس ما تفرضه إسرائيل، بل يتم حسابه بموجب الأعراف الدولية والمحاسبية، كما لا يجوز تسليم التعويض إلى حكومة أو سلطة بل هو حق فردي لكل شخص متضرر ولا تجوز فيه النيابة. وعكس ما تدعي إسرائيل فإنه لا يسقط بمرور الوقت ولذلك لا يجوز تحديد مدة معينة للمطالبة به.
مسؤولية اللاجئين نحو قضيتهم
ويبقى على اللاجئين أن يستمروا في المطالبة بحقوقهم الشرعية التي يؤيدها القانون الدولي، ولا يخضعوا لمعطيات وظروف فترة من الزمن -لابد أنها عابرة- تتفوق فيها القوة العسكرية الإسرائيلية التي تريد أن تطأ على كل المقدسات والشرعية الدولية.
ويجب أن ينظم اللاجئون أنفسهم ويحشدوا كافة طاقاتهم المادية والمعنوية، فهي كثيرة وهامة وتقلق بال أعدائهم، وعليهم ألا يستهينوا بهذه القوة، وقد أصبح الآن من الممكن تنظيمها في جمعيات أهلية تحرك الرأي العام المحلي والعالمي مع الاستفادة من شبكة الإنترنت والفضائيات وازدياد القوة الشعبية لحقوق الإنسان في كثير من البلاد التي أصبحت تعمل بمثابة برلمانات موازية.
أهمية الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي
وقد شهد عام 2000 -أكثر مما سبقه- أمثلة كثيرة على أهمية حشد الطاقات الشعبية المحلية والعربية والإسلامية والعالمية، سواء من حيث المسيرات والمظاهرات أو المرافعات في المحافل الدولية أو المقاومة المدنية.
وفي المجتمعات غير الديمقراطية ينجح هذا النشاط في تغيير مسار الأنظمة خوفاً من غضبة الشعب، كما يؤدي في المجتمعات الديمقراطية الغربية إلى تصحيح صور الإعلام المغلوطة ويفضح التحيز وأنصار العنصرية ويؤثر على القرارات البرلمانية.
ومن بين التجمعات الفلسطينية التي تمت الدعوة إليها منذ عام 1995 وتم تسجيلها في لندن "هيئة أرض فلسطين" التي تختص بتوثيق الحقوق الفلسطينية من أرض أو ممتلكات أو حقوق معنوية، ووضع الخطط القانونية للمطالبة بها، وتمثيل أصحاب هذه الحقوق بممثلين عن كل قرية ومدينة. وهذه الهيئة غير سياسية لأنها تحافظ على الحقوق الأساسية وتتعاون مع جميع الحكومات المحلية والأجنبية ومنظمات الأمم المتحدة، وقد وجدت هذه الهيئة صدى كبيراً عند إشهارها.
كل هذه النشاطات الشعبية ضرورية وهامة، ولكنها واحدة من الوسائل الكثيرة المتاحة للمطالبة بالحق بل انتزاعه، ولا يزال في مقدمة هذه الوسائل المقاومة الفلسطينية الفعالة ذات الكفاءة والتنظيم.

 

مدخل الى القضية الفلسطينية

لا يمكن التعامل مع الصراع الدائر فوق ارض فلسطين المحتلة كصراع نموذجي من الصراعات البشرية العادية، كما لا يمكن اعتبار هذا الصراع امتداداً لصراعات لم تتوقف بين القوى المختلفة للسيطرة على أرض فلسطين لأسباب اقتصادية أو عسكرية أو حتى دينية .
فالصراع الذي تحياه الأمة - بدرجات متفاوتة - مع العدو الصهيوني يشكل صراعاً تتداخل فيه الظروف التاريخية والسياسية وعوامل الاقتصاد والدين وحتى الرؤية الحضارية للمنطقة العربية والإسلامية ودورها في موكب الحضارة الإنسانية .
ويكفي استعراض المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية لتوضيح هذه الحقيقة فبينما كان التنافس الإستعماري الاوروبي يشتد في نهاية القرن الثامن عشر لوراثة الإمبراطورية العثمانية، والسيطرة على طريق الهند الإستراتيجي، ويشكل عاملاً أساسياً لرسم سياسات الدول الأوروبية، حاول الحركيون اليهود - بدعم أوروبي شاركت فيه آنذاك ألمانيا وبريطانيا - الضغط على الخلافة العثمانية لانتزاع ميثاق من السلطان عبد الحميد الثاني يمنح اليهود حق الإستيطان في فلسطين والسماح بهجرتهم إليها، غير أن السلطان العثماني رفض الضغوط الأوروبية وإغراءات اليهود .
وفي الفترة بين عامي 1900- 1901 أصدر السلطان عبد الحميد بلاغاً يمنع المسافرين اليهود من الإقامة في فلسطين لأكثر من ثلاثة أشهر، كما أمر بمنع اليهود من شراء أي أرض في فلسطين، خشية أن تتحول هذه الأراضي إلى قاعدة لهم تمكنهم من سلخ فلسطين عن بقية الجسد المسلم .
وفي عام 1902 تقدم اليهود بعرض مغر للسلطان عبد الحميد يتعهد بموجبه أثرياء اليهود بوفاء جميع ديون الدولة العثمانية وبناء أسطول لحمايتها، وتقديم قرض بـ(35) مليون ليرة ذهبية لخزينة الدولة العثمانية المنهكة، إلا أن السلطان رفض العروض وكان رده كما جاء في مذكرات ثيودور هرتزل: (انصحوا الدكتور هرتزل ألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، لأني لا استطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الارض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الارض ورواها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت امبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الامبراطورية الاسلامية، وهذا أمر لا يكون، فأنا لا استطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة .. ) .
وعندما أيقن اليهود بفشل جميع المحاولات الممكنة بدأوا بالعمل على إسقاط الخلافة العثمانية، حيث استطاعوا التسرب عن طريق طائفة يهود الدونمة التي تظاهر أفرادها بالإسلام وحملوا الأسماء التركية، ودخلوا في جميعة "الاتحاد والترقي" ووصلوا الى الحكم سنة 1907، وتصاعد النشاط الصهيوني في فلسطين بدعم من أنصار الاتحاد والترقي ويهود الدونمة الذين سيطروا على مقاليد السلطة في الاستانة حيث سمح الحاكم العثماني الجديد لليهود بالهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي فيها، مما فتح أمام المنظمات الصهيونية للبدء بالنشاط العملي على نطاق واسع حتى سقطت الخلافة رسمياً سنة ( 1924) واحتلت الجيوش البريطانية فلسطين .
لقد التقت المصالح الاستعمارية الاوروبية في انتزاع فلسطين من الوطن العربي مع المصالح الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود، بل إن قادة أوروبا هم الذين عرضوا على اليهود إقامة وطن لهم في فلسطين، قبل أن تطرح الحركة الصهيونية الفكرة بسنوات طويلة، وعلى الأخص من جانب فرنسا وبريطانيا في محاولة للتخلص من المشكلة اليهودية في أوروبا وتحقيق مكاسب استعمارية من الدولة اليهودية .
كان التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا واضحاً في الشرق الأوسط، حتى قبل قيام الحركة الصهيونية، وكان هدف كل منهما حماية مصالحه في المنطقة، وملاحقة الدولة الأخرى من إجل إيذائها أو منافستها على تلك المصالح، وإيجاد الوسائل المختلفة التي تحمي مصالحها واعتقدت بريطانيا بعد فشل نابليون بونابرت في مصر وبلاد الشام، أنه من المفيد إيجاد بدائل اخرى في الشرق الأوسط، لاستمرار تفوقها على فرنسا. وقد وجدت في فلسطين مكاناً ملائماً لبسط نفوذها بسبب الموقع الجغرافي الذي تتمتع فيه وسط الوطن العربي وباعتبارها البوابة التي تربط بين أسيا وأفريقيا، ولهذا فإن من مصلحة الاستعمار الاوروبي والبريطاني بالذات، فصل الجزء الاسيوي عن الجزء الأفريقي من الوطن العربي، وخلق ظروف لا تسمح بتحقيق الوحدة بين الجزءين في المستقبل .
بدأ الموقف البريطاني يتضح بعد حملة محمد علي باشا والي مصر الى الشام، عندما أرسل ابنه ابراهيم باشا الى المنطقة، مما أثار بريطانيا لأنها خشيت أن تتوحد مصر مع بلاد الشام في دولة واحدة، لهذا ساهمت بريطانيا مع الدولة العثمانية في إفشال حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام .
وبعد تدخل بريطانيا، أرسل بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا مذكرة إلى سفيره في استانبول في عام 1840، شرح فيها الفوائد التي سوف يحصل علىها السلطان العثماني من تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين وقال :« إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته يشكل سداً في وجه مخططات شريرية يعدها محمد علي أو من يخلفه » .
وفي مارس / آذار 1840 وجه البارون اليهودي روتشيليد خطاباً إلى بالمر ستون قال فيه : «إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر ليسا كافيين لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهون بإمكانيات اتصالهم واتحادهم، إننا لو نظرنا إلى خريطة هذه البقعة من الأرض، فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين العرب في أسيا. وكانت فلسطين دائماً بوابة على الشرق. والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر في هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه، وإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور، وليست تلك خدمة لليهود يعودون بها إلى أرض الميعاد مصداقاً للعهد القديم، ولكنها أيضاً خدمة للامبراطورية البريطانية ومخططاتها، فليس مما يخدم الامبراطورية أن تتكرر تجربة محمد علي سواء بقيام دولة قوية في مصر أو بقيام الاتصال بين مصر والعرب الآخرين».
هاتان الوثيقتان الصادرتان عن بريطانيا وأحد زعماء اليهود، تظهران التقاء مصالح الطرفين في محاربة قيام دولة عربية موحدة، وأن ذلك لا يتم إلا من خلال إقامة دولة دخيلة لليهود في قلب المنطقة العربية ، وقد دعا تقرير بريطاني اعدته لجنة شكلها رئيس وزراء بريطانيا (هنري كمبل- بانزمان) عام 1907 إلى العمل من أجل إبقاء المنطقة العربية مجزأة ومتأخرة وإلى «محاربة اتحاد الجماهير العربية أو ارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وذلك من خلال العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، عن طريق إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط آسيا وإفريقيا، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة لنا وعدوة لسكان المنطقة » .
وهو ما أمكن تحقيقه جزئياً من خلال اتفاقية سايكس - بيكو (1916) وبموجب الاتفاقية حصلت فرنسا على أجزاء من سوريا وجنوب الأناضول وعلى منطقة الموصل في العراق ولونت باللون الازرق، وحصلت بريطانيا على أراضي جنوب سوريا إلى العراق شاملة بغداد والبصرة والمناطق الواقعة بين الخليج العربي والأراضي الممنوحة لفرنسا وميناءي عكا وحيفا ولونت باللون الأحمر ، أما بقية مناطق فلسطين فقد لونت باللون البني، واتفق على أن تكون دولية، وهكذاحقق الاستعمار البريطاني والفرنسي مؤامرته ضد قيام وحدة بين جزئي الوطن العربي .
في أعقاب الاتفاقية عمد قادة الحركة الصهيونية وعلى رأسهم اللورد روتشيلد وحاييم وايزمان لاجراء اتصالات مع بريطانيا أدت إلى إصدار وعد بلفور، وكان من الأسباب التي دفعت بريطانيا للموافقة على الوعد هو أن تكون الدولة اليهودية خط الدفاع الأول عن قناة السويس واستمرار تجزئة الوطن العربي، وقد أصدر القرار في 2 تشرين ثاني / نوفمبر 1917 وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور، ونص القرار الذي جاء على هيئة رسالة من بلفور إلى روتشيلد على أن «حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الاخرى،
وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح »
وفي 11 كانون أول / ديسمبر 1917 دخلت الجيوش البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي القدس وبدأت في تنفيذ وعد بلفور عملياً وحدثت على أثر ذلك صدامات بين العرب واليهود وتشكلت جمعيات عربية ضد المشروع الصهيوني ،عندما أراد اليهود الاحتفال بمرور عام على وعد بلفور هدد العرب بالتظاهر غير أن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل هدد بإلقاء القبض على كل عربي يتظاهر .
وعلى إثر إعلان هذا الوعد عمت الاحتجاجات جميع أنحاء فلسطين وبعض الاقطار العربية، وتأكد الفلسطينيون أن بريطانيا ماضية في فصل بلادهم عن الاقطار العربية، لا سيما بعد أن فرضت عصبة الأمم المتحدة الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1919 .
وحاولت بريطانيا تهدئة العرب، في الوقت الذي كانت تسعى فيه إلى فصل فلسطين عن بلاد الشام، ولكنها لم تنجح، حيث قام الفلسطينيون بأول ثورة شعبية عام 1920 .
وخلال انعقاد مؤتمر فرساي في كانون ثاني / يناير 1919 قدمت الحركة الصهيونية إلى المؤتمر خطة مدروسة واضحة المعالم لتنفيذ مشروعها، دعت إلى :
1- إقامة وصاية بريطانية لتنفيذ وعد بلفور .
2- أن تشمل حدود فلسطين ضواحي صيدا ومنابع الليطاني ونهر الأردن وحوران وشرق الأردن والعقبة وأجزاء من صحراء سيناء المصرية .
وفي هذا المؤتمر، وضعت سياسة الانتداب على المستعمرات التي كانت تابعة لألمانيا وتركيا قبل الحرب. كما دعا المؤتمر إلى تشكيل عصبة الأمم المتحدة لتكون تلك الدول بريطانيا وفرنسا مندوبة عن عصبة الامم .
وفي 31 أيار/مايو 1920م صدر إعلان الانتداب على فلسطين في مؤتمر سان ريمو وعين البريطاني الصهيوني هربرت صموئيل مندوباً سامياً في القدس، وكان وزيراً للداخلية البريطانية ومتعاطفاً مع الصهاينة .
وبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان صك انتداب بريطانيا على فلسطين، كشفت بريطانيا عن مضمون وعد بلفور، واحتج الفلسطينيون وحدثت اشتباكات لأول مرة بين الحرس البريطاني والعرب . كما منعت بريطانيا المؤتمر الفلسطيني الثاني من الانعقاد في حيفا عام 1920 ، بعد أن أصبح تشرشل وزيراً للمستعمرات عقد مؤتمراً في القاهرة للعسكريين والموظفين البريطانيين لمراجعة الوضع البريطاني في المنطقة، حيث أوصى المؤتمر :
- الاستمرار في تنفيذ وعد بلفور، لأن بريطانيا ملزمة بإنشاء وطن قومي لليهود .
- ان تشكل في شرق الاردن مقاطعة عربية بقيادة الأمير عبدالله يكون مسؤولاً عنها أمام المندوب البريطاني دون أن تكون المقاطعة مشمولة في النظام الإداري لفلسطين، ودون أن تنطبق عليها شروط الانتداب. وليكون شرق الاردن مستعداً لاستقبال من يضطر من الفلسطينيين للمغادرة .
بدأت تتضح معالم المخطط البريطاني - الصهيوني في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين، حيث أعلن الفلسطينيون رفضهم له، وأثاروا مخاطر هجرة اليهود الى فلسطين على الوجود العربي في فلسطين، وحذورا من السكوت على استمرار هذه الهجرة إلى بلادهم.
ويلاحظ أن الفلسطينيين في تلك الفترة كانوا يصرون على اعتبار فلسطين جزءاً من سورية الكبرى، ويرفضون تجزئة النضال، أو طرح مطالب إقليمية خاصة بهم، على الرغم من خصوصية قضيتهم لاختلاف الخطر عليهم عن بقية أبناء سورية الكبرى حيث إنهم كانوا مهددين بالهجرة اليهودية إلى بلادهم بتشجيع من الانتداب البريطاني، بينما كانت بقية الأقطار العربية تعاني من الاستعمار البريطاني او الفرنسي من دون أن تشكل الهجرة اليهودية أي تهديد ضدها.
ولذلك نجد أن الأمور تطورت في العشرينات، وبدأت تخرج أصوات من داخل فلسطين تطالب بالاستقلال الوطني الفلسطيني ، بعد إثارة كل قطر من الأقطار العربية لمشاكله الخاصة ودعوته للاستقلال القطري، وهو ما كانت تطمح إليه فرنسا وبريطانيا في المنطقة، على أساس أن يقوم كل قطر عربي بمواجهة مشاكله الخاصة به. وبدأ مفهوم "الدولة العربية الموحدة" التي وعدت بريطانيا بها الشريف حسين بن علي بالأفول في ظل الوجود الاستعماري الاوروبي، وانكفأ كل شعب في سورية الكبرى على نفسه، يعمل وحده ضد الوجود الاستعماري في بلاده. وانعكس هذا الأمر على القضية الفلسطينية التي سارت هي أيضاً ضمن هذا التوجه. وبدأ بعض الفلسطينيين يطالبون باستقلال فلسطين دون اعتبار انهم جزء من جنوب سورية . وفي الوقت الذي كان فيه الشعب الفلسطيني يناضل ضد وعد بلفور وتزايد الهجرة اليهودية الى فلسطين بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني، كانت الشعوب العربية مشغولة هي الاخرى بالعمل ضد الوجود الاستعماري في أراضيها، ولهذا فقد زادت الحركة الصهيونية من قوتها في الثلاثينات والأربعينات بمساعدة بريطانيا في غيبة الأمة العربية والإسلامية التي كانت تخوض معركة، وعندما استقلت الأقطار العربية أوائل الاربعينات، كان الوقت متأخراً جداً لكي تساهم تلك الجماهير مع الشعب الفلسطيني في معركته ضد الحركة الصهيونية وبريطانيا، إذ أعلن عن قيام الكيان الصهيوني، وكانت النتيجة ضياع فلسطين في حرب عام 1948، ودخلت منذ ذلك الوقت القضية الفلسطينية في أروقة السياسية العربية .
غير أن الصهاينة ظلوا يعتقدون أن كيانهم الذي أعلن فوق الأراضي المحتلة عام 1948 لم يشكل كل الأراضي التي يعتبرونها أرض اسرائيل، فكان أن استغل الصهاينة السنوات التالية لاعلان كيانهم من أجل تعزيز قوتهم العسكرية وطرد الكثير من المواطنين العرب من أراضيهم، وفي العام 1956 شاركت الدولة اليهودية مع فرنسا وبريطانيا في عدوان ضد مصر، وأبلغ ديفيد بن غوريون الكنيست أن من أهداف مشاركة الدولة اليهودية في العدوان «تحرير ذلك الجزء من الوطن القومي (شبه جزيرة سيناء) الذي كان يحتله الغزاة » .
غير أن البعد الاستراتيجي لاحتلال سيناء كان إبعاد القوات المصرية عن حدود الدولة اليهودية والحيلولة دون عبورها قناة السويس مما يتيح لها مهاجمة الكيان الصهيوني والوصول إلى النقب، وكان الصهاينة يرون في صحراء النقب هدفاً حيوياً يتوجب الدفاع عنه مهما كلف الأمر لأنها تشطر الوطن العربي إلى شطرين وتمنع الاتصال البري بينهما، وقد طالب الصهاينة الأمم المتحدة عام 1947 بالنقب، ولما اقترح الوسيط الدولي الكونت برنادوت عام 1948 ارجاع النقب للمواطنين العرب أقدم الصهاينة على اغتياله في اليوم التالي لاعلان اقتراحه .
ولم تفلح الجهود الاستعمارية في تحقيق الأهداف الصهيونية من خلال عدوان 1956، غير أن الجهود العربية ظلت قاصرة ومترددة مما منح الصهاينة فترة ذهبية لتعزيز قدراتهم العسكرية والتخطيط للهجوم حتى كان العام 1967 عندما اجتاحت القوات الصهيونية الضفة الغربية وقطاع غزة وهما ما تبقى من فلسطين بعد حرب العام 1948 تحت السيادة العربية، كما تمكن الصهاينة من احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية ، وقد انسحبت قوات الاحتلال اليهودي من سيناء بموجب اتفاقيات سلام مع مصر وضمن شروط تجعل من البوابة الشرقية لمصر مشروعة عملياً أمام أي محاولة اجتياح يهودية، فيما لا زالت الدولة الصهيونية تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات لبنان إلى جانب شريط حدودي من جنوب لبنان .
المقاومة العربية
لم تتوقف جهود العرب في الدفاع عن حقوقهم في فلسطين منذ مطلع القرن ففي العام 1918تشكلت جمعية الفدائية وهي جمعية سرية ضمت عدداً من رجال الشرطة الفلسطينية ، وقد لعبت الجمعية دوراً مهماً في الإعداد للثورة العربية في فلسطين وفي نشر الوعي بالخطر الصهيوني بين عشائر البدو في شرق الأردن ضد اليهود غير أن اعتقال زعمائها أضعفها وقضى عليها غير أنه لم يوقف جهاد الفلسطينيين والعرب ضد المخططات الصهيونية فكانت ثورة النبي موسى (4 -10 نيسان /أبريل 1920) وثورة يافا (1-5 أيار / مايو 1921)، ثورة البراق ( 15آب / أغسطس 1929) وهي مواجهات محدودة كانت دوافعها عاطفية، ولم تكن منظمة مما حدّ من إمكانات تطورها أو تحقيق أهدافها وان كانت لعبت دوراً في تأجيج الصراع وتعطيل المشروع الصهيوني جزئياً وبشكل مؤقت .
في المقابل نظم مجاهدون قوى مقاومة كان أهمها حركة الشيخ المجاهد عز الدين القسام (1935) وكان الشيخ القسام قدم إلى حيفا من سوريا بعد إنهيار الثورة السورية ضد فرنسا، وبدأ نشاطه كمعلم ،ثم انضم إلى جميعة الشبان المسلمين عام 1926، وكان أحد مؤسسي فرع حيفا سنة 1928، وفاز برئاسة الفرع عندما جرت انتخاباته، ثم أصبح عضواً في اللجنة الإدارية للفراع سنة 1930 ثم عاد رئسياً للفرع سنة 1933.
وكان الشيخ القسام يتجول في أنحاء فلسطين بوصفه موظفاً شرعياً في المحكمة، وبدأ في تجنيد الشباب في خلايا من 5 أشخاص ، ونشر الدعوة ضد اليهود والبريطانيين واستطاع أن يؤسس حركة جهادية تستمد - فهمها من الإسلام وتتبنى منهجية العمل الجهاد طريقاً وحيداً لتحرير فلسطين، وبدأ القسام عملية بناء تنظيم سري اعتبر فيما بعد أهم منظمة سرية وأعظم حركة فدائية عرفها تاريخ الجهاد العربي في فلسطين خلال تلك الفترة .
كان معقله الرئيسي في الحي القديم في حيفا، حيث يقطن الفقراء، وأصبحت له شعبية كبيرة في جميع أنحاء فلسطي،. وفي عام 1935 نظم خمس لجان هي : الدعوة و الدعاية - التدريب العسكري - التموين - الانتخابات - العلاقات الخارجية، كما نظم ما بين 200- 800 من الأنصار.
وجاءت أحداث 1935 لتدفعه إلى البدء بالثورة في تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه، وقد اعتبر إعلان حركة القسام للجهاد تغيراً أساسياً في مسار العمل العربي ضد المخططات الصهيونية التي كانت تعتمد على الجهود السياسية في محاولة الإصلاح والتغيير وتحقيق أماني أبناء الشعب الفلسطيني، والتجأ القسام مع 52 رجلاً من أنصاره في 12 / تشرين الثاني - نوفمبر 1935 إلى ضواحي مدينة جنين ودعا الفلاحين الفلسطينيين لمهاجمة القوات البريطانية في يعبد، وحاصرته القوات البريطانية وطلبت منه الاستسلام إلا أنه رفض، واستشهد مع اثنين من أتباعه، وتم أسر آخرين بعد معركة عنيفة خاضها القسام ورفاقه.
وأثار استشهاده الفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد، وكانت جنازته بمثابة حداد وطني شامل في فلسطين. ويعتبر تنظيم القساميين الأول من نوعه نوعاً وهدفاً، إذ كان تنظيماً مسلحاً يستهدف اليهود والبريطانيين، وكان تنظيماً يقوم على الانتماء الإسلامي، وساهمت ثورة القسام واستشهاده في خلق وعي اسلامي ووطني فلسطيني بضرورة استعمال القوة لمقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين، لا سيما أن القسام شيخ وعالم شريعة قدم من سوريا ليقيم ويجاهد في فلسطين .
ولكن استشهاد القسام لم يخمد الثورة بل أجج نيرانها فكانت الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والتي اعتبرت من أطول الثورات في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث عمت المظاهرات والإضراب العام مدن وقرى فلسطين وكانت التحرك الشامل الأول من نوعه حيث تداخلت الوسائل المدنية للثورة مع العمليات الجهادية .
ويشير المؤرخون إلى أن من الأسباب غير المباشرة التي أدت الى قيام الثورة :
- تزايد عدد العمال العاطلين عن العمل .
- الهجرة اليهودية المستمرة ، والتواطؤ البريطاني الظاهر معها ومع كل جهود تنفيذ المشروع الصهيوني .
- تسرب الأراضي إلى اليهود ، بسبب الضغوط البريطانية على أصحابها العرب .
- الأزمة الاقتصادية الخانقة عام 1935 .
- ما حدث في مصر وسوريا ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي .
- الهجوم الإيطالي على الحبشة، الذي أحيا الأمل بحرب جديدة تعيد رسم سياسات جديدة في المنطقة .
- زيادة التوتر بين العرب واليهود في خريف عام 1935 .
وبدأت الأحداث في 15 نيسان / ابريل 1936 عندما قتلت المنظمات الفدائية مستوطناً صهيونياً وجرحت اثنين آخرين على طريق نابلس - طولكرم.
وفي الليلة التالية قتل اليهود مدنيين عربيين على الطريق العام إلى الشمال من مستعمرة عليبي، وعند تشييع جنازة المستوطن اليهودي حدثت اشتباكات مع العرب، وحدثت صدامات على حدود يافا- تل أبيب .
وأعلنت السلطات البريطانية منع التجول في يافا- تل أبيب، وفرضت حالة الطوارئ في جميع البلاد، وتشكلت في 20 نيسان /ابريل 1936 لجنة عربية في نابلس اعلنت الاضراب العام،
وبعد أن زاد عدد القوات البريطانية إلى قرابة 20 ألف جندي حصلت معارك عنيفة بين الثوار والقوات البريطانية والصهيونية في شهر تشرين الأول عام 1935. وقامت وفود فلسطينية بزيارات إلى عمّان والرياض وبغداد، ونتيجة لضغوطات بريطانية، قام الملوك والرؤساء العرب بإصدار نداء مشترك في 10 تشرين أول/ أكتوبر 1935 دعوا فيه العرب إلى «وقف الثورة، والاعتماد على النيات الطيبة" لصديقتنا بريطانيا العظمى التي أعلنت أنها ستحقق العدالة».
ونتيجة لذلك دعت اللجنة العربية العليا إلى وقف الإضراب، وإلى حل التنظيمات العربية وعودة الثوار العرب إلى دولهم .
وكانت حصيلة هذه الثورة : مقتل 16 رجل بوليس و22 جندياً بريطانياً، وجرح 104 رجال بوليس و148عسكرياً، ومقتل 80 مستوطناً صهيونياً وجرح 308 مستوطن صهيوني . أما العرب فقد استشهد منهم 145 رجلاً وجرح 804 آخرون .
وأرسلت بريطانيا لجنة بيل الملكية لتقصي الحقائق إلى فلسطين، ولكن الفلسطينيين أرادوا عدم مقابلتها، فهدد الملوك العرب الفلسطينيين، وطلبوا منهم الموافقة على مقابلة اللجنة .
غير ان الثورات لم تتوقف إذ تجددت بعد مقتل أندروز حاكم الجليل البريطاني وأقدم البريطانيون على اتخاذ سلسلة اجراءات انتقامية ضد القادة العرب في فلسطين مما جدد الثورة وعمت البلاد ثورة مسلحة أرغمت البريطانيين على التراجع عن عدد من مواقفهم السياسية التي كانوا يعتزمون بموجبها فرض تقسيم لفلسطين بين العرب والصهاينة .
أما الضربة الأشد التي تلقاها الجهاد العربي في فلسطين فكان هزيمة الجيوش العربية في حرب العام 1948، مما أحدث تحولات كبيرة في بنيان المقاومة والجهاد وسحب المبادرة من يد الشعب عملياً، وأحال الفلسطينيين إلى شأن رسمي تحكمه التوازنات الداخلية وسياسات الأنظمة .
إلا أن ظهور المنظمات الفدائية أعاد في البداية الاعتبار للدور الشعبي في مواجهة المشروع الصهيوني وزج بالجماهير كطرف أساسي في المعادلة وهو طرف أرغم الأنظمة الرسمية على تبني مواقف ساهمت في الحيلولة دون تمدد الدولة العبرية وإحباط مشاريعها أحياناً .
وبسبب أخطاء قيادات منظمات المقاومة تقلص دور الجماهير وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مظلة العمل الفلسطيني إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، وهو وَضْعٌ حدَّ كثيراً من حركتها بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية
وبسبب أخطاء قيادات منظمات المقاومة تقلص دور الجماهير وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت مظلة العمل الفلسطيني إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، وهو وَضْعٌ حدَّ كثيراً من حركتها بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية والدولية .
إلا أن طبيعة المشروع الصهيوني وأبعاده التي تتعرض لحياة الانسان العادي ووجوده ظلت محفزاً أساسياً للجماهير من أجل الانخراط في مقاومة المشروع وابتكار وسائل مناسبة لذلك، فكانت الثورات الشعبية التي توجها الشعب الفلسطيني بانتفاضته المباركة عام 1987 وظهور حركة المقاومة الاسلامية "حماس" التي نشأت وترعرعت خارج رحم السلطة وفي أحضان الشعب الرئيسي والجماهيري باعتبارهم المستهدف الأول من المشروع الصهيوني والمتضرر الرئيسي من إجراءات الصهاينة، وخط الدفاع الذي لا ينكسر في مواجهة المشروع الصهيوني، فالأنظمة والنخب قد تفتر وقد تهزم وقد تنمحي غير أن الشعب والجماهير لا تموت مهما أثخنتها الجراح فتظل قادرة على النهوض من جديد والمقاومة حتى النصر .

 



مسؤولية بريطانيا في حرمان
الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره

 
الدكتور عبد اللطيف الطيباوي
 
استخلصت مادة هذا المقال، الذي وضعته بالأصل في اللغة الإنجليزية، من الوثائق المحفوظة في "مكتب السجلات العامة" في لندن، وهو يشتمل على الأوراق السرية لوزارة الخارجية ورئاسة الوزارة البريطانية، والتي لم يفرج عنها إلا منذ عهد قريب .
كان عام 1917 عاماً حاسماً في تاريخ الحرب العالمية الأولى: ففي ذلك العام، دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء، بينما انسحبت منها روسيا القيصرية نتيجة اشتعال الثورة البلشفية، وقد ساهم كلا هذين الحدثين في وضع نهاية سريعة لهذه الحرب وتفتح آمال عامة بإقرار تسوية سلمية على أساس برنامج الرئيس الأمريكي ويلسون "النقاط الأربع عشرة"، كما حمل دخول أمريكا الحرب وخروج روسيا منها في ثناياه سوء تفاهم عظيم بين العرب من جهة وبين كل من بريطانيا وفرنسا من جهة أخرى. فقد بادر حكام روسيا الجدد إلى فضح أسرار اتفاقية سايكس بيكو التي تقاسمت بمقتضاها بريطانيا وفرنسا الولايات العربية من ممتلكات الإمبراطورية العثمانية وجعلتاها ضمن مناطق نفوذها المباشر وغير المباشر، إذ أحدث فضح أسرار هذه الاتفاقية فجيعة كبرى بين العرب الذين انتعشت مطامحهم لنيل استقلالهم الوطني إثر إعلان الرئيس الأمريكي مبادئه الليبرالية، كما ساهمت أفكار الرئيس ويلسون في تشذيب مخططات بريطانيا وفرنسا الاستعمارية، وهما اللتان قبلتا، على مضض، مبدأي "حق تقرير المصير" و"موافقة المحكوم" عند النظر في بت أوضاع المناطق المستخلصة من العدو .
لقد بات معروفاً، على نطاق واسع الآن، أنه حالما بدأت الحرب العظمى الأولى سعت روسيا القيصرية إلى إقرار كل من حليفتيها، بريطانيا وفرنسا، لمطالبها بضم استنبول ومضيقي الدردنيل والبوسفور إلى ممتلكاتها، وعندما تمت الموافقة على ذلك سعت فرنسا لدى روسيا، ونالت اعترافها بالمطامع الفرنسية في سوريا، بيد أن روسيا أبدت بعض التحفظات بخصوص فلسطين بداعي أهميتها الدينية الخاصة، وكانت فرنسا قد تلقت، حتى قبل الحرب، تطمينات من بريطانيا بعدم اكتراثها بسوريا بكاملها طالما ظلت هذه جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ولكن عندما دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، وعندما حظيت روسيا باعتراف حليفتيها، رسمياً،  بمطالبها الإقليمية في استنبول ومضيقي الدردنيل والبوسفور، فاتحت فرنسا بريطانيا في أمر تحديد وتعيين مصالح كل من الحلفاء في الولايات الآسيوية للإمبراطورية العثمانية، وكان جواب بريطانيا، بهذا الصدد، أنه، مع ملاحظة أن التطلعات الإقليمية لم تتبلور بعد، قررت الحكومة البريطانية أنه:"عندما ينحسر سلطان تركيا عن استنبول والمضائق، لا بد أن تتشكل، لصالح الإسلام، وحدة سياسية إسلامية مستقلة في مكان آخر، وسيكون مقرها، بطبيعة الحال، الأماكن المقدسة، وتضم الجزيرة العربية، ولكن لا بد وأن نتفق على ما ينبغي أن تضمه إلى جانب ذلك" .
كان هذا في شهر آذار/ مارس 1915، ومن المهم ملاحظة تاريخ ودلالة هذه السياسة البريطانية التي سبقت في تاريخها مراسلات مكماهون في وقت لاحق من العام 1915، والمفاوضات التي توجت باتفاقية سايكس – بيكو في العام 1916، ووعد بلفور في العام 1917، لقد كانت تراود الحكومة البريطانية، بادئ ذي بدء، آخذة بعين الاعتبار "وحدة سياسية إسلامية مستقلة" غير تركية تتمركز حول مكة والمدينة (وربما القدس أيضاً)، وتسيطر على مناطق تشمل، فيما تشمله، الجزيرة العربية على أقل تقدير، وإذا استبدلت، في بيان الحكومة البريطانية المشار إليه، كلمة "إسلامية" بكلمة "عربية" خرجت بصورة محددة لنوع الاستقلال السياسي الذي كان يرومه شريف مكة، باسم العرب، في تموز/ يوليو 1915، والفرق الوحيد بين الحالتين هو أن شريف مكة كان أكثر دقة وتحديداً فيما يتعلق بالحدود الإقليمية، ولكن لم تكن الحكومة البريطانية قد فرغت بعد من البت في هذه القضية .
فلماذا، إذن، بدت مقترحات الشريف حسين بعد قرابة شهور أقل توافقاً مع خطط السياسة البريطانية المذكور آنفاً؟ لقد كانت مقترحات الشريف حسين قومية، وليست دينية، في مادتها ومبناها، وتنطوي في ثناياها على احتمال أقل في أن تخلق مصاعب بالنسبة لمستقبل الخلافة ومطالب السلطان العثماني بها، إذ، كما تبين فيما بعد، عند إعلان "الثورة العربية" في حزيران/ يونيو 1916 تعاطف مسلمو الهند مع السلطان بصفته الخليفة الشرعي، واعتبروا الثورة خروجاً على الوحدة الإسلامية، بيد أن هذا لم يكن السبب الرئيسي للتحول الذي طرأ على السياسة البريطانية، وازدواجية نظرة بريطانيا إلى غايات "الثورة العربية"، لقد انصب اهتمام بريطانيا الأساسي في نظرتها "للثورة العربية" كعنصر من عناصر المجهود الحربي ضد تركيا، إن ما أفسد فرص تحقيق تفاهم عربي – بريطاني دائم، وأحبط محل السيطرة التركية، كان مجموعة مترابطة من العناصر التي، عندما نتمعن فيها بعد انقضاء هذا الزمن الطويل، ندرك أنه ما من قوة على الأرض، في ذلك الوقت كانت قادرة على الوقوف أمامها، وهذه المجموعة المترابطة من  العناصر هي مطامع فرنسا، والمصالح الإمبراطورية البريطانية، والمطامع الصهيونية، وخليط من الرومنطيقية والرياء لدى السياسيين البريطانيين النافذين .
وتظهر القراءة الدقيقة لمراسلات مكماهون أن مطالب فرنسا في سوريا كانت وراء التحفظ البريطاني الرئيسي حول الحدود الإقليمية التي وردت في مقترحات الشريف حسين، إذ سرعان ما تبين أن فرنسا قد طالبت بأن تشمل منطقة نفوذها سوريا الجغرافية بكاملها بما فيها لبنان وفلسطين، ولكن بريطانيا التي كانت تتحمل، عندئذ، العبء الرئيسي في محاربة تركيا في العراق وجنوب سوريا، كما كانت لديها بعض المخططات للاحتفاظ بوضع خاص في العراق، سرعان ما تحولت عن موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث إلى الرغبة العارمة في تأمين منفذ إلى خليج عكا على البحر المتوسط وممر أرضي إليه .
وكان لكل من روسيا وفرنسا مصالح دينية وثقافية في فلسطين، وهذه الوقائع والمطالب الشاذة هي علة البنود الشاذة لاتفاقية سايكس – بيكو التي قضت، بعد إشباع مطالب روسيا الإقليمية في جهة أخرى من تركيا، بتقسيم الولايات العربية في العراق وسوريا الكبرى بين بريطانيا وفرنسا وأبقت فلسطين جانباً لنظام دولي يقام فيها بعد إجراء مشاورات بشأنه بين الحلفاء وشريف مكة، ويدل هذا البند الأخير على أن المصالح الدينية المسيحية والإسلامية وحدهما اعتبرتا جديرتين بالبحث .
وقد اصطدمت تطلعات الصهيونيين بعنصرين، على الأقل، من عناصر تركيبة المصالح هذه، وهما المصالح العربية والفرنسية، إلى جانب المصالح الروسية قبل الثورة، وقد كان الصهيونيون على درجة كبيرة من الدهاء عندما سعو إلى التحالف مع أقل هذه العناصر المتصارعة تشدداً وهم البريطانيون، فاتجهوا، بناء على ذلك، إلى التحالف مع المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت فلسطين تسيل لعابها كقاعدة ضرورية لحماية قناة السويس والدفاع عنها، وقد كان الصهيونيون يدركون أنهم يواجهون، في مسعاهم للحصول على اعتراف بريطاني بإنشاء وطن يهودي أو دولة يهودية في فلسطين، معارضة شديدة ومنافسين أقوياء، ولكنهم جازفوا بتجاهل هذه جميعها، وكانت أعظم مقامرة أقدموا عليها هي تجاهلهم الصارخ لواقع الأشياء، بغض النظر عما تقرره الدول العظمى مجتمعة أو منفردة، وهو أن الغالبية الساحقة من سكان فلسطين هم من العرب المسلمين والمسيحيين الذي تعود جذورهم الدينية والثقافية والقومية عميقاً في تربة البلاد، وعلى مدى قرون عديدة ليس منذ الفتح العربي فحسب، بل قبله بزمن بعيد .
ولسنا هنا في معرض سرد الملابسات التي جعلت الصهيونيين يفلحون، رغم كل هذه الظروف والأوضاع المناقضة لجوهر تطلعاتهم، في إقناع كبار الساسة البريطانيين بمزايا التحالف البريطاني – الصهيوني، ونكتفي في هذه العجالة بالقول أنه إثر نجاح الصهيونيين في كسب رئيس الوزراء لويد جورج ووزير الخارجية بلفور إلى جانبهم أطلقت يدا السير مارك سايكس، الرومنطيقي الساخر وأحد واضعي اتفاقية سايكس – بيكو، في إجراء الترتيبات لوضع فكرة الصهيونيين وخطتهم موضع التطبيق، وقد أشار عليه لويد جورج نفسه أن يعمل نحو "فلسطين بريطانية"، وأن يقوم بالتفويق بين مآرب الصهيونيين وتطلعات كل من فرنسا والفاتيكان .
عندما أصدرت الحكومة البريطانية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وعد بلفور الشهير والذي يعرب عن عطفها على فكرة تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين كان نصف البلاد ما زال في ظل السيادة العثمانية واقعياً وقانونياً، وكذلك، أن وعد مكماهون للعرب في تشرين الأول/ أكتوبر 1915، وإن لم يتضمن جهاراً فلسطين بكاملها، فإنه لم يستبعدها استثناء، وفي الاتفاق الذي تم في عام 1916 بين روسيا وبريطانيا وفرنسا أبقيت فلسطين جانباً لإقامة نظام دولي فيها بعد التشاور مع شريف مكة، وفي ضوء هذه الظروف والأحوال، كان إعلان بريطانيا عن تحبيذها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين خطأ سياسياً وأخلاقياً فاضحاً، إذ أنها أغفلت إغفالاً تاماً أن تأخذ في الحسبان أمر سكان فلسطين العرب أو استشارة أي من زعمائهم، ناهيك عن حليفها المخلص شريف مكة .
وكان اللورد كرزون وحده بين المسؤولين البريطانيين آنئذ، وهو نائب الملك في الهند سابقاً والوزير البارز في وزارة الحرب، الذي توقف بعض الوقت عند المضامين والمغازي التي ينطوي عليها وعد بلفور، مبيناً أثناء جلسة مناقشته في الوزارة البريطانية في أن إعطاء هذا الوعد افتئاتاً على حقوق مصالح إسلامية وعربية أساسية، فقد قال حسبما ورد في سجل وقائع الاجتماع الذي جرى في 4/10/1917:"كيف يعقل أن يقترح التخلص من أغلبية السكان الحاليين المسلمين وإحلال يهود محلهم؟". وهو يرى أن تأمين حقوق مدنية ودينية متساوية لليهود المقيمين في فلسطين سياسة أفضل من العمل على إعادة اليهود إلى فلسطين على نطاق واسع، وهو "أمر يعتبره من مظاهر المثالية العاطفية التي ينبغي ألا يكون لحكومة صاحب الجلالة شأن بها من قريب أو بعيد" .
وقد بلور كرزون وجهة نظره في مذكرة قدمها إلى الوزارة مؤرخة في 26/10/1917، أوضح فيها بجلاء المكانة التي تحتلها مدينة القدس في دنيا الإسلام والمسيحية، ويشير إلى المشكلة الإنسانية التي ينطوي عليها وعد بلفور إذ يقول :"يوجد هناك ما يزيد على نصف مليون من العرب السوريين، وقد استوطنوا هم وأجدادهم البلاد منذ قرابة 1500 عام، وهم أصحاب الأرض التي يتقاسم ملكيتها الملاكون الفرديون والمجتمعات القروية، ولن يرضى هؤلاء بمصادرة أراضيهم وانتزاعها منهم لتسليمها للمهاجرين اليهود أو أن يكونوا مجرد حطابين وسقائين لهم" .
وفي اجتماع الوزارة البريطانية بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر أوضح بلفور نفسه ما يفهمه من التعبير "وطن قومي يهودي". يعني شكلاً من أشكال الحماية البريطانية أو الأمريكية أو غيرهما ستتوفر لليهود في ظلها مرافق وتسهيلات كافية تتيح له بناء مقومات خلاصهم الذاتي فيرسون بالمؤسسات التربوية والصناعية قواعد مركز حقيقي للثقافة  القومية وموئلاً للحياة القومية، وهو لا ينطوي بالضرورة على تأسيس دولة يهودية مستقلة في أمد قريب، إذ يتوقف هذا الأمر على التطور التدريجي وفقاً لسنة التطور السياسي المعهودة" .
لا ريب أن بلفور كان يتمتع بالقدرة على عرض الأمور بوضوح، ولكنه كان أيضاً مبرزاً في طمس الحقائق وتشويهها بشكل فاضح، ففي اجتماع مجلس الوزراء في 4/10/1917 ادعى، ضمن ما ادعاه، أن الرئيس الأمريكي آنذاك، ودرو ويلسون، كان يحبذ إصدار وعد بريطاني يعلن العطف على التطلعات الصهيونية، وفي الاجتماع ذاته تصدى اليهودي أدوين مونتاغو وزير الدولة لشؤون الهند لبلفور وأظهر ما في ادعائه ذلك من مخاتلة وتناقض، إذ بين، مستشهداً بالكولونيل هاوس، أن الرئيس الأمريكي ويلسون، كان، عندئذ، يعارض إصدار مثل هذا الوعد .
وقد تكون أفظع مغالطات بلفور وتشويهاته للحقائق تأكيده بأن غالبية اليهود في روسيا يؤيدون التطلعات الصهيونية متجاهلاً، بذلك، تجاهلاً تاماً نصيحة السفير البريطاني في روسيا الذي طلب منه أن يبدي فيما إذا كان الوعد المقترح سيساعد قضية الحلفاء، فكان جوابه أنه "يشك شكاً بالغاً" في ذلك، لأنه "لا يوجد بين اليهود في روسيا حماس كبير للصهيونية خصوصاً من الإطاحة بالنظام القديم (القيصري)" .
لقد آثر بلفور إهمال نصيحة موفده ومندوبه الخاص في مسرح الأحداث وقبول تأكيدات الصهيونيين الذين يعيشون في لندن على بعد آلاف الأميال من يهود روسيا، وقد وصف أدوين مونتاغو هؤلاء الصهيونيين بأنهم من اليهود المولودين في الخارج، وهم الوحيدون الذين يدعون إلى إنشاء وطن قومي يهودي .
وبالطريقة ذاتها بالغ بلفور كثيراً في إظهار العطف الفرنسي على التطلعات الصهيونية كما أثار مخاوف زملائه الوزراء من احتمال قيام ألمانيا بأخذ زمام المبادرة من الحلفاء بإصدارها وعداً بالتعاطف مع التطلعات الصهيونية، وصور لهم في إصدار وعد بريطاني سيكون له وقع حسن لدى اليهود في الولايات المتحدة، ولم يقل أبداً أية كلمة عن العرب، وتجاهل ملاحظات اللورد كرزون، ولم يحاول مطلقاً أن يجيب على أسئلته، وقلما كان وزير خارجية بريطاني متعامياً إلى هذا الحد عن الجانب الآخر من قضية هامة .
لقد أوصد بلفور ومساعدوه في وزارة الخارجية منافذ عقولهم إلى واقع الأشياء وعميت بصيرتهم بحيث أنهم أثناء مداولاتهم بشأن تقرير مصير فلسطين ظلوا على اتصال وثيق بالصهيونيين، ولكنهم رفضوا، بعناد وإصرار، أن يأخذوا بالاعتبار الاحتجاجات التي قدمها المسلمون المقيمون في لندن (لقد حالت ظروف الحرب دون الاستماع إلى رأي العرب الذين يعنيهم الأمر لأن معظمهم كانوا يقيمون في مناطق العدو). ففي حزيران/ يونيو 1967 ألقى مرمادوك بيكثول، الذي اشتهر فيما بعد بترجمته للقرآن، محاضرة في قاعة كاكستون نشرتها. فيما بعد، الجمعية الإسلامية المركزية في لندن في كراس بعنوان " المصالح الإسلامية في فلسطين"، والغرض من هذه المحاضرة كما قال صاحبها هو إزالة الجهل الخطير المتفشي، عندئذ، في بريطانيا ليس بين عامة الناس فحسب بل حتى بين الوزراء، بشأن ما ينطوي عليه تطبيق الخطة المقترحة "بإنشاء دولة يهودية في فلسطين في ظل سيادة إحدى الدول المسيحية"، من مضامين ومخاطر، واشتملت تلك المحاضرة على عرض واف لمكانة فلسطين والقدس في الإسلام وفي التاريخ العربي .
وقد قدم نص هذه المحاضرة المطبوعة في كراس إلى وزارة الخارجية البريطانية كاحتجاج إسلامي، وأطلع عليها كبار المسؤولين في وزارة الخارجية ثم بلفور نفسه، أما ملاحظات السير مارك سايكس عندما اطلع على المحاضرة فتكشف الكثير من النوايا المبيتة، فعندما ما لم يجد في نص المحاضرة ما يعيب هاجم صاحبها من الزاوية السياسية دامغاً إياه بأنه موال لتركيا، وهي تهمة سيئة في ذلك الوقت وأن تكن قد فقدت معناها الآن، وكانت هذه التهمة كافية لإهمال النصيحة الهادئة التي محضها للحكومة البريطانية، وهي أن فلسطين مقدسة لدى أتباع الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، وأن من الخطأ الاهتمام بمصالح الديانتين الأوليتين فقط وتجاهل الثالثة .
وعادت الجالية الإسلامية في لندن إلى الهجوم من جديد، فبعد خمسة أيام من إصدار "وعد بلفور" قدمت احتجاجاً إلى وزير الداخلية البريطاني وطالبت بضمانات بشأن المسجد الأقصى وغيره من الأماكن الإسلامية المقدسة، ولكن، في هذه المرة، لم يعتبر السير مارك سايكس الموقعين على الاحتجاج مجرد موالين لتركيا فحسب، بل "عملاء" لتركيا وحض بقوة على تجاهل احتجاجهم، وكذلك لم تكن أسعد مصيراً من هذه رسالة الاحتجاج التي وجهها "السيد أمير علي" من مجلس شورى الملك في بريطانيا بتاريخ 10/11/1917، إلى اللورد هاردينج الوكيل الدائم لوزارة الخارجية ومندوب الملك السابق في الهند، وقد رغب السيد أمير علي على أن يسترعي انتباه بلفور إلى واقع أن "فلسطين هي في نظر المسلمين أرض مقدسة دون أدنى شك"، وأن مدينة القدس لا يفوقها قدسية وطهارة عندهم سوى مكة والمدينة، وبين أن من "الغبن والإجحاف" بالإسلام وضع أحد "أقدس أقداسه" تحت السيطرة اليهودية .
ولكن لب الأمر ولبابه أنه لا بلفور ولا أي من مساعديه، كان يجهل الحقائق وواقع الأشياء، إن لم يكن عن أي طريق آخر فبفضل الوقائع الناصعة التي وضعها تحت أنظارهم اللورد كرزون، سواء كان ذلك على الصعيد الديني أو الصعيد القومي، ولكن بلفور آثر أن يضرب بالوقائع كلها عرض الحائط. وبمساندة رئيس الوزراء لويد جورج ومباركته سار بهذه السياسة إلى النهاية إلى أن أثيرت رسمياً في مجلس الوزراء. ولم يؤخذ العرب بأي حسبان سوى اتخاذ الاحتياطات لإخراس ما قد يصدر عنهم من احتجاجات. ويتضح هذا من برقية أرسلت مع نص وعد بلفور في يوم صدوره إلى الجنرال وينغيت المندوب السامي البريطاني في القاهرة حيث جاء فيها: "ينبغي عليك أن تراقب تعليقات الصحف مراقبة شديدة حتى لا تستثار الحساسيات العربية"، فلا عجب إذن إن اكتفت أوسع الصحف العربية انتشارا، آنذاك، وهي جريدة "المقطم" التي كانت تصدر في القاهرة والمعروفة بموالاتها لبريطانيا بمجرد نشر نص وعد بلفور على هيئة برقية صحفية وردت في مكتب وكالة رويتر في لندن بتاريخ 9 تشرين الثاني/ نوفمبر .
كان إصدار وعد بلفور إيذاناً بانتهاء المرحلة الأولى من إقرار الظلم والإجحاف سياسة رسمية لبريطانيا، ولكي تضع بريطانيا هذه السياسة موضع التطبيق كان عليها انتظار إنجاز عدد من المهمات منها: استكمال احتلال فلسطين، وإلحاق الهزيمة بتركيا بصورة تامة، ومراجعة بنود اتفاقية سايكس – بيكو وإعادة النظر في بعضها، وإضفاء صفة الشرعية من ناحية القانون الدولي على موقف بريطانيا، والتفاوض مع فرنسا للتنازل عن مطالبها في فلسطين، وضمان تعيين بريطانيا دولة منتدبة على فلسطين .
وقد تم إنجاز هذه المهمات جميعاً قبل حلول شهر تموز / يوليو 1920 عندما جرى تعيين السير هربرت صموئيل السياسي البريطاني الصهيوني مندوباً سامياً في القدس، وقد أوكلت إليه، بموجب انتداب من عصبة الأمم، مهمة تنفيذ سياسة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، ولا حاجة بنا إلى القول إنه قد جرى الإقدام على اتخاذ هذه الخطوات الخطيرة دون موافقة، أو حتى، في بعض الحالات، دون علم سكان فلسطين العرب. وقد أخذت بريطانيا علماً بعدم رضى شريف مكة الذي كانت بريطانيا قد اعترفت به ملكاً على الحجاز .
وقد ظن، في أول الأمر، أن البيان الإنجليزي – الفرنسي الصادر في 8/11/1918 هو بيان للسياسة البريطانية موجه له، بيد أن انتهاء الحرب مع تركيا بسرعة، وانتشار التململ وعدم الرضى على نطاق واسع بين السكان العرب في المناطق التي احتلها البريطانيون والقوات الحليفة لهم حولت هذا البيان إلى نداء عام مشترك من الحكومتين الإنجليزية والفرنسية، لقد استهدف هذا النداء العام المشترك تخفيف وقع اتفاقية سايكس – بيكو على العرب، وتهدئة خواطر "القوى الديمقراطية" في معسكر الحلفاء، وبصورة خاصة، الانسجام قدر الإمكان مع نقاط الرئيس الأمريكي ويلسون الأربع عشرة. وقد سبق إعلان هذا البيان العام المشترك كثير من الأخذ والرد الدبلوماسي، فقد اقترحت فرنسا أن لا يقتصر تطبيق هذا النداء على سوريا والعراق فقط، بل أن يكون تطبيقه عاماً وشاملاً، ولكن اللورد روبرت سيسيل ساعد بلفور الأيمن في المسألة الصهيونية رفض الاقتراح الفرنسي لأنه "سيكون من العسير التوفيق بينه وبين سياسيتنا المعلنة (كذا!) في فلسطين". لقد أيقن الفرنسيون الآن بما ارتابوا بشأنه طوال الوقت، وهو أن بريطانيا كانت تريد الاستئثار بفلسطين متخذة من التطلعات والأماني الصهيونية ذريعة وغطاء لمطامعها، وكان أول تلميح رسمي بنوايا بريطانيا السعي إلى بسط سلطانها السياسي على فلسطين وحرمان غالبية سكانها العرب من حق تقرير المصير ومن الحكم الذاتي لتسهيل مهمة تأسيس وطن قومي يهودي بها، ورغم أن النداء الإنكليزي – الفرنسي المشترك قد عمم رسمياً في فلسطين، فإنه لم يكن بوسع الحكام العسكريين البريطانيين في فلسطين جلاء أمر هو غامض في ذاته، فكتب كبير الضباط السياسيين في فلسطين إلى وزارة الخارجية طالباً توضيح مضمونه وجلاء مراميه، وكان جواب وزارة الخارجية حلقة أخرى في سلسلة سياسة الازدواجية والخداع، إذ بلغته وزارة الخارجية أن فلسطين مستثناة من مضمون هذا النداء العام، وإن هذا هو لمعلوماته الخاصة".
لقد بان الغرض من سياسة المواربة والمرواغة وانكشف أمرها، ففي الأسبوع الأول من شهر كانون الأول/ ديسمبر، أي بعد أقل من شهر من إصدار البيان العام، عقد رئيس الوزراء البريطاني صفقة سرية مع رئيس الوزراء الفرنسي كلمنصو غيرت بمقتضاها بنود اتفاقية سايكس – بيكو فأطلقت يد بريطانيا في فلسطين مقابل إطلاق يد فرنسا في بقية سوريا، وقد تغافل المسؤولون البريطانيون تغافلاً تاماً عن مسألة التشاور مع شريف مكة بهذا الصدد، كما ورد في النص الأصلي للاتفاقية .
وفي تلك الأثناء كانت فلسطين تفور بالقلق والاضطراب، رغم ما فرضته السلطات العسكرية من حظر للنشاطات السياسية، وجدير بالذكر أن الملفات البريطانية تشتمل على توثيق وتسجيل للاحتجاجات العربية أفضل من أي مصدر آخر عرفته، ولهذا السجلات قيمة كبيرة جدا بحيث أنها تستحق دراسة خاصة، لقد كان بوسع السلطات العسكرية البريطانية أن تقيد وتضيق حجم عمليات الاحتجاج، ولكنه لم يكن بوسعها أن تحجب الوقائع عن مرجعها في لندن، وقد أثارت موجة الاحتجاجات الكبيرة هذه المخاوف أنصار القضية الصهيونية في وزارة الخارجية البريطانية بحيث أن السير مارك سايكس سعى عن طريق التهديد المبطن للأمير فيصل، الذي كان عندئذ في زيارة رسمية للندن، لكي يستخدم "نفوذه" لإخماد حملة الاحتجاج والمعارضة ضد الخطط الصهيونية .
وكانت آخر خطوات بريطانيا للقبض على خناق فلسطين فوزها بالانتداب عليها وتضمينها بنود الانتداب ليس وعد بلفور فحسب بل بنوداً مفصلة حول تطبيقه وتنفيذه أيضاً. وقبل أن يقر مؤتمر السلام في باريس هذه الإجراءات أرسل لجنة مستقلة للتحقيق إلى سوريا، ووجدت هذه اللجنة أن عرب فلسطين يرفضون البرنامج الصهيوني وأي انتداب بريطاني يلتزم بتنفيذه، وقد خشي بلفور من نتيجة هذا التحقيق، فأعترض على شمول فلسطين في التحقيق وبين في مذكرة قدمها إلى رئيس وزرائه لويد جورج أنه بالنسبة إلى فلسطين "نرفض محقين وعن سابق إصرار قبول تطبيق مبدأ حق تقرير المصير" .
وأثناء صياغة بنود الانتداب كان المسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية يعملون بتعاون وثيق مع الصهيونيين، ولكنهم لم يستشيروا حتى مرة واحدة أية سلطة عربية، فلسطينية كانت أو غيرها، وهذا مناقض لروح ونص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم التي تضمنت أن تطوير مناطق الانتداب وتأمين الخير لها هو "أمانة مقدسة في عنق الحضارة"، وإنه عند اختيار الدولة المنتدبة التي مهمتها تقديم المشورة الإدارية يجب أن "توضع في المقام الأول" رغبات سكان منطقة الانتداب، ونتيجة لهذا المؤامرة الإنكليزية – الصهيونية جاءت بنود الانتداب على فلسطين مختلفة عما هي عليه لسوريا ولبنان والعراق، فهذه البلدان اعتبرت بمثابة بلدان مستقلة بحاجة إلى مساعدة دولة منتدبة لعدد من السنين، أما فلسطين، فقد أوكل أمر "إدارتها" إلى بريطانيا دون أي تلميح أو إشارة إلى منحها الاستقلال في المستقبل، وذلك، دون أدنى ريب، نتيجة حرمانها من حق تقرير المصير وفرض سياسة إنشاء وطن قومي يهودي فيها. هذا، وقد ذهبت احتجاجات العرب إلى مؤتمر السلام في باريس وإلى عصبة الأمم أدراج الرياح .
وكان الناطق العربي الوحيد الذي له شأن وسلطة فيصل بين الحسين الذي قدم احتجاجاته بإلحاح، وقد نفض أولاً يديه، في رسالة رسمية إلى الحكومة البريطانية، من مزاعم الصهيونيين بأنه "أقر" لهم بسياسة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وقال في رسالته:"إن كل ما اعترفت به هو أن أؤمن حقوق اليهود في تلك البلاد بالقدر الذي أؤمن به حقوق السكان العرب المحليين". وجلب الانتباه إلى معارضة سكان عرب فلسطين القوية، وأكد وجهة النظر العربية بأن فلسطين هي ضمن المناطق التي وعدت بريطانيا بمنحها الاستقلال وعبر عن ثقته بأن ذلك الوعد البريطاني لا يلغيه وعد لاحق للصهيونيين. وأضاف أن والده (الشريف حسين) مخول، حتى بمقتضى اتفاقية سايكس – بيكو، أن يؤخذ رأيه بصدد مستقبل فلسطين، لكنه، ومما يثير للدهشة، لم يشر إلى الرسالة البريطانية إلى والده التي تلقاها بواسطة "هوغارت" والتي جعلت الوعد لليهود خاضعاً لحرية عرب فلسطين السياسية والاقتصادية. وختم فيصل رسالته قائلاً: إذا ما أمكن الإبقاء على وحدة سوريا وفلسطين، "فبوسعنا أن نتوصل إلى حل يؤمن مصالح جميع من يهمهم الأمر" .
لقد كان الأمر بكامله أشبه بحوار الطرشان، فقد كانت بريطانيا مصممة على فصل فلسطين عن سوريا، واتفقت مع فرنسا على ذلك، وكذلك فإن زبائنها الصهيونيين كانوا غير راغبين في أن يكونوا تحت حكم أمير عربي، حتى وإن كانت سلطته إسمية، في حين كان متاحاً لهم حاكم من جنسهم وإن تنكر بزي مندوب سام بريطاني. ومن جهة أخرى، لم تكن فرنسا مرتاحة حتى لذلك القدر الضئيل من الاستقلال الذي كان فيصل يتمتع به في دمشق، لقد كان كل من مؤتمر السلام في باريس وعصبة الأمم المتحدة تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا فيما يتعلق بشؤون السلام في الأدنى العربي، ولذلك كان فيصل والعرب يواجهون خصوماً جبارين، وكان حالهم في هذا أشبه بحال المتظلم، في الحكاية، الذي تبين له أن المتهم هو نفسه القاضي الذي قدمت الشكوى له !
لقد التزمت الحكومة البريطانية جانب العناد، بصورة غير معهودة، وضربت عرض الحائط بتحذيرات رجالها وممثليها في مسرح الأحداث. ففي 18 كانون الثاني (يناير) 1919 أرسل الجنرال غيلبرت كاليتون كبير الضباط السياسيين لدى قائد القوات البريطانية العام في سوريا وفلسطين برقية إلى وزارة الخارجية بأن وضع نصوص اتفاقية سايكس – بيكو والسياسة الصهيونية موضع التطبيق "سيتطلب" دون شك، الاحتفاظ بجيش احتلال فعال لمدة سنوات كثيرة قادمة، لقد أثبتت هذه النبوءة صدقها طوال مدة الانتداب على فلسطين، كما أثبتت صدقها حتى بعد انتهاء الانتداب الذي استبدل الاحتلال البريطاني باحتلال إسرائيلي .
لقد مضت السلطات البريطانية قدماً في تنفيذ السياسة التي استحدثتها في العام 1917 دون هوادة وفي وجه معارضة عربية شديدة باللجوء إلى القوة القاهرة العمياء. وقد رفضت الحكومات البريطانية المتعاقبة حتى مجرد احتمال معاودة النظر في سياستها. ومن المفيد أن ندرج هنا اثنين من ردود الفعل البريطانية المبكرة تجاه الاحتجاجات العربية، فأما رد الفعل الأول، فقد جاء على هيئة بيان رسمي أصدر هربرت صموئيل بعد وقت قصير من تسلمه منصب المندوب السامي في القدس في محاولة لتثبيط عزائم العرب والقضاء على أي بصيص أمل لديهم باحتمال إعادة النظر في السياسة البريطانية إذ جاء فيه: "لم يطرأ، ولن يطرأ، أي تغيير على سياسة حكومة صاحب الجلالة" .
أما رد الفعل الثاني فقد سجله أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية على هيئة شرح وتذييل لاستسلام طلب "إنشاء حكومة تمثيلية تكون مسؤولة أمام جمعية تشريعية منتخبة" من المؤتمر العربي الفلسطيني الأول، إذ جاء في ذلك التذييل:"لا أظن أننا بحاجة إلى أن نعير هذا الطلب أي اهتمام، حتى ولا مجرد إرسال إشعار بالاستلام"، مرة واحدة فقط في خلال 30 عاماً اعترفت حكومة بريطانية بإمكانية إعادة النظر في سياستها، ففي عام 929، وبعد ثورة عربية مسلحة دامت ثلاث سنوات، اقترحت الحكومة ا لبريطانية إقامة حملة حكومة تمثيلية بعد انقضاء فترة انتقالية مدتها عشر سنوات. وبغض النظر عن الاعتبارات الأخرى. كان طول الفترة الانتقالية المغالى فيه غلطة كبيرة، وقد ساهم كل من معارضة الصهيونيين لهذا الاقتراح، وتردد العرب في قبوله، ثم اشتعال الحرب العالمية الثانية، إلى تخلي بريطانيا عن هذه السياسة، وقبل أن تنفض الحكومة البريطانية يديها من المسؤولية وتحيل القضية الفلسطينية إلى منظمة الأمم المتحدة في العام 1947، كان قد اتضح أنه لم يكن هنالك إنصاف للأغلبية العربية، فطوال ثلاثين سنة عمدت القوات البريطانية إلى إكراه الأغلبية على قبول تأسيس واستمرار نمو الوطن القومي اليهودي إلى أن أصبح اليهود، الذين كان عددهم لا يتجاوز 8% من السكان في ا لعام 1917، يشكلون ثلث مجموع السكان، ورفضت السلطات البريطانية، رفضاً باتاً، طوال الوقت، الاستجابة إلى طلب إنشاء حكومة تمثيلية .
فإذا كان بالإمكان إكراه الأغلبية، دون حق أو إنصاف، وإجبارها قسراً لصالح الأقلية، فلماذا لم يتيسر إكراه هذه الأقلية، بحق وإنصاف، لقبول حكم الأغلبية؟ إن التمعن في ما ينطوي عليه هذا السؤال من دلالات هو تعقيب حزين ومؤسف على العدالة البريطانية. إن نكران حق تقرير المصير على عرب فلسطين مدى ثلاثين عاماً هو دون أدنى شك علة خسارتهم أرض آبائهم وأجدادهم وسقوطهم في حمأة وضعهم الراهن المفجع .
 
* نشر في مجلة شؤون فلسطينية ، آب/ أغسطس 1972.